السيد حيدر الآملي

12

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

أمّا الوجه الأوّل الَّذي في تعريفها وتحقيقها وبيان اتّحادها ووحدتها ( تعريف الشريعة والطريقة والحقيقة ) فاعلم ، أنّ الشريعة على ما قيل ، اسم موضوع للسبل الإلهّية مشتملة على أصولها وفروعها ورخصها وعزائمها ، حسنها وأحسنها . والطَّريقة هي الأخذ بأحوطها وأحسنها وأقومها ، وكلّ مسلك يسلك الإنسان أحسنه وأقومه يسمّى طريقة ، قولا كان أو فعلا ، صفة كان أو حالا . وأمّا الحقيقة فإثبات وجود الشيء كشفا وعيانا ، أو حالة ووجدانا . وقيل أيضا : « الشّريعة أن تعبده ، والطَّريقة أن تحضره ، والحقيقة أن تشهده » ( 5 ) .

--> ( 5 ) قوله : الشريعة أن تعبده . قال أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري المتوفى 465 ه ، ق في « الرسالة القشيريّة » ص 159 : « الشريعة : أمر بالتزام العبوديّة . والحقيقة : مشاهدة الربوبيّة . فكل شريعة غير مؤيّدة بالحقيقة فغير مقبول . وكلّ حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير مقبول . فالشريعة جاءت بتكليف الخلق والحقيقة إنباء عن تصريف الحقّ . فالشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده . والشريعة قيام بما أمر ، والحقيقة شهود لما قضى وقدر ، وأخفى وأظهر » . وراجع في هذا أيضا تفسير المحيط الأعظم الجزء الأوّل ص كح وص 79 . وروى السّيد المؤلف قدس اللَّه نفسه في كتابه « جامع الأسرار » ص 358 عن أمير المؤمنين علي عليه آلاف التحيّة والسّلام ، قال : « الشريعة نهر ، والحقية بحر ، فالفقهاء حول النهر يطوفون ، والحكماء في البحر على الدّر يغوصون ، والعارفون على سفن النجاة يسيرون » . قال نظام الدين تريني في قواعد العرفاء ص 126 : « اعلم الشريعة هي الطريقة في الدين المشروع ما أظهره الشارع ، والطريقة هو الأخذ بالتقوى وما يقرّبك إلى المولى . الشريعة كالسفينة ، والطريقة كالبحر ، والحقيقة كالدّر ، فمن أراد الدّر ركب في السفينة ، ثمّ شرع في البحر ، ثمّ وصل إلى الدّر . » قال الشيخ أبو سعيد : « الشريعة أفعال في أفعال ، والطريقة أخلاق في أخلاق ، والحقيقة أحوال في أحوال . فمن لا أفعال له بالمجاهدة ومتابعة السنّة فلا أخلاق له بالهداية والطريقة ، ومن لا أخلاق له بالهداية والطريقة فلا أحوال له بالحقيقة والاستقامة والسياسة » . قال الشيخ الرئيس في نمط التاسع في « الإشارات » ج 3 ص 370 : « الزهد عند غير العارف معاملة مّا ، كأنّه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة ، وعند العارف تنزّه مّا عمّا يشغل سرّه عن الحقّ ، وتكبّر على كلّ شيء غير الحقّ . والعبادة عند غير العارف معاملة مّا كأنّه يعمل في الدنيا لأجرة يأخذها في الآخرة هي الأجر والثواب ، وعند العارف رياضة مّا لهممه وقوى نفسه المتوهّمه والمتخيّلة ليجرّها بالتعويد عن جناب ( جانب ) الغرور إلى جناب الحقّ فتصير مسالمة للسرّ الباطن حينما يستجلي الحقّ لا تنازعه فيخلص السرّ إلى الشروق الساطع ويصير ذلك ملكة مستقرّة كلَّما شاء السرّ اطَّلع إلى نور الحقّ غير مزاحم من الهمم بل مع تشبيع منها له فيكون بكليّته منخرطا في تلك القدس » . في « مصباح الشريعة » المنسوب إلى الإمام الصادق عليه ، الباب الأوّل ، قال الصادق عليه السّلام : « نجوى العارفين تدور على ثلاثة أصول : الخوف والرجاء والحبّ . فالخوف فرع العلم ، والرجاء فرع اليقين ، والحبّ فرع المعرفة ، فدليل الخوف الهرب ، ودليل الرجا الطلب ، ودليل الحبّ إيثار المحبوب على ما سواه . فإذا تحقّق العلم في الصدر خاف ، وإذا صحّ الخوف هرب ، وإذا هرب نجا ، وإذا أشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل . وإذا تمكّن منه رجا ، وإذا وفّق للطلب وجد ، وإذا تجلَّى ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبّة ، وإذا هاج ريح المحبّة استأنس في ظلال المحبوب ، وآثر المحبوب على ما سواه ، وباشر أوامره واجتنب نواهيه ، وإذا استقام على بساط الأنس بالمحبوب مع أداء أوامره واجتناب نواهيه وصل إلى روح المناجاة . ومثال هذه الأصول الثلاثة كالحرم والمسجد والكعبة ، فمن دخل الحرم أمن من الخلق ، ومن دخل المسجد أمنت جوارحه أن يستعملها في المعصية ومن دخل الكعبة أمن قلبه من أن يشغله بغير ذكر اللَّه » . قال العلَّامة الطباطبائي في « رسالة الولاية » ص 17 : إنّ الناس من حيث درجات الانقطاع إلى اللَّه سبحانه ، والإعراض عن هذه النشأة الماديّة ، على ثلاث طبقات : الطبقة الأولى : إنسان تامّ الاستعداد ، يمكنه الانقطاع قلبا عن هذه النشأة مع تمام الإتقان باللازم من المعارف الإلهيّة ، والتخلَّص إلى الحقّ سبحانه ، وهذا هو الَّذي يمكنه شهود ما وراء هذه النشأة الماديّة ، والإشراف على الأنوار الإلهية ، كالأنبياء عليهم السّلام ، وهذه طبقة المقرّبين . الطبقة الثانية : إنسان تامّ الإيقان ، غير تامّ الانقطاع من جهة ورود هيئات نفسانيّة ، وإذعانات قاصرة تؤيسه أن يذعن بإمكان التخلَّص إلى ما وراء هذه النشأة الماديّة ، وهو فيها ، فهذه طبقة تعبد اللَّه كأنّها تراه ، فهي تعبد عن صدق من غير لعب لكن من وراء حجاب إيمانا بالغيب ، وهم المحسنون في عملهم . وقد سئل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله عن الإحسان ، فقال : « أن تعبد اللَّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » ، ( سيأتي ذكر مصادره في التعليق 222 فراجع ) . والفرق بين هذه الطبقة وسابقتها ، فرق ما بين إنّ وكأنّ . الطبقة الثالثة : غير أهل الطبقتين الأوّليين من سائر الناس وعامتهم . وهذه الطائفة ، باستثناء المعاند والمكابر الجاحد ، طائفة تمكنها الإعتقاد بالعقائد الحقّة الراجعة إلى المبدء والمعاد ، والجريان عملا على طبقها في الجملة لا بالجملة » انتهى . قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّ قوما عبدوا اللَّه رغبة فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوما عبدوا اللَّه رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوما عبدوا اللَّه شكرا فتلك عبادة الأحرار » . نهج البلاغة الحكمة 237 . قال الصادق عليه السّلام : « العبّاد ثلاثة : قوم عبدوا اللَّه عزّ وجلّ خوفا فتلك عبادة العبيد . وقوم عبدوا اللَّه تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء . وقوم عبدوا اللَّه عزّ وجلّ حبّا له ، فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة » أصول الكافي ج 2 باب العبادة الحديث 5 قال الصادق عليه السّلام : « أن الناس يعبدون اللَّه عزّ وجلّ على ثلاثة أوجه : فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع . وآخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد وهي الرهبة . ولكنّي أعبده حبّا له عزّ وجلّ فتلك عبادة الكرام وهو الأمن ، لقوله عزّ وجلّ : * ( وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) * [ النمل : 89 ] ، ولقوله عزّ وجلّ : * ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه َ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه ُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) * [ آل عمران : 31 ] . فمن أحبّ اللَّه أحبّه عزّ وجلّ ، ومن أحبّه اللَّه عزّ وجلّ كان من الآمنين » « خصال » ج 1 ص 188 الحديث 259 . و « أمالي » للصدوق المجلس العاشر الحديث 4 ، ص 41 . و « علل الشرائع » باب 8 الحديث 8 ص 12 .