السيد حيدر الآملي

99

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [ سورة فصّلت : 12 ] . بعد ما قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [ سورة فصّلت : 10 ] . وذلك كلَّه في أربعة أيّام ، ثمّ قال للسّماوات والأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [ سورة فصّلت : 11 ] . أي أجيبا إذا دعيتما لما يراد منكما ، ممّا أمّنتما عليه أن تبرزاه . قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ سورة فصّلت : 11 ] . ( جعل الالتحام بين السّماء والأرض ) فجعل سبحانه بين السّماء والأرض التحاما معنويّا ، وتوجها حقيقيّا لما يريد سبحانه أن يوجده في هذه الأرض من المولَّدات من معدن ونبات وحيوان ، وجعل الأرض كالأهل ، وجعل السّماء كالبعل ، والسّماء تلقي إلى الأرض من الأمر الَّذي أوحي اللَّه فيها كما يلقي الرّجل الماء بالجماع في المرأة ، وتبرز الأرض عند الإلقاء ما خبأه الحقّ فيها من التكوينات على طبقاتها ، فكان من ذلك أن الهواء لمّا اشتغل وحمى اتقد مثل السّراج وهو اشتغال النّار ، ذلك اللهب الَّذي هو احتراق الهواء وهو المارج وإنّما سمّي مارجا لأنّه مختلط بهواء وهو الهواء المشتعل فإنّ المرج الاختلاط ومنه سمّي المرج مرجا لاختلاط النبات فيه فهو من عنصرين هواء ونار أعني الجانّ ، كما كان آدم من عنصرين ماء وتراب ، عجن به فحدث له اسم الطين ، كما حدث لامتزاج النّار بالهواء اسم المارج ففتح سبحانه في ذلك المارج صورة الجانّ فبما فيه من الهواء يتشكّل في أي صورة شاء وبما فيه من النّار سخف وعظم لطفه وكان فيه طلب القهر والاستكبار والعزّة ، فإنّ النّار أرفع الأركان مكانا وله سلطان عظيم على إحالة الأشياء الَّتي تقتضيها الطبيعة وهو السبب الموجب لكونه استكبر عن السّجود لآدم عندما أمره اللَّه عزّ وجلّ بتأويل أدّاه أن يقول : أَنَا خَيْرٌ مِنْه ُ [ سورة ص : 76 ] .