السيد حيدر الآملي

92

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

بعد اللَّه تعالى والملائكة المهيّمة ، العالم كلَّه في تصرّف هؤلاء الولاة الاثني عشرة ، وأرواح الأنبياء والرّسل والخلفاء والأولياء والملوك والسّلاطين يأخذ منهم ومن فيضهم في هذا العالم العنصري الشهاديّ ، فالشّيعة من هذا قالوا أنّ الأئمّة الإثنى عشرة عليهم السّلام ، على عددهم وجميع كمالاتهم وعلومهم وصفاتهم منهم ، وهم مظاهر تلك الولاة ومجاليهم ، ولا يجوز أن يكون عددهم أكثر من ذلك إلَّا غيرهم من الولاة ليسوا كذلك ولا يوافق عددهم عددهم ، ولا أخلاقهم أخلاقهم ، ولا صفاتهم صفاتهم ، من العصمة والطَّهارة والعدل في الأفعال والقسط في الأقسام وغير ذلك ، كما ذكر الشيخ في قوله : وبين هؤلاء الولاة في الأفلاك مناسبات ورقائق تمتدّ إليهم من هؤلاء الولاة بالعدل مطهّرة من الشّوائب مقدّسة عن العيوب . هذا في هذا الباب . فأمّا في الفصل الثالث من باب الواحد والسّبعون وثلاثمائة ، في بيان الفلك الأطلس والبروج ذكر وهو قوله ( 38 ) : اعلم أنّ اللَّه خلق في جوف هذا الكرسي الَّذي ذكرناه جسما شفّافا مستديرا قسّمه اثنى عشر قسما سمّى الأقسام بروجا وهي الَّتي أقسم بها لنا في كتابه فقال تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [ سورة البروج : 1 ] . وأسكن كلّ برج منها ملكا هم لأهل الجنّة كالعناصر لأهل الدّنيا ، فهم ما بين مائيّ وترابيّ وهوائيّ وناريّ ، وعن هؤلاء يتكوّن في الجنّات ما يتكوّن ، ويستحيل فيها ما يستحيل ، ويفسد ما يفسد ، أعني ينفسد بتغيّر نظامه إلى أمر آخر ما هو الفساد المذموم المستخبث ، فهذا معنى يفسد فلا يتوهّم ، ومن هنا ، قالت الإماميّة بالإثنى عشر إماما ، فإنّ هؤلاء الملائكة أئمّة العالم الَّذي تحت إحاطتهم ومن كون هؤلاء الإثنى عشر لا يتغيّرون عن منازلهم ، لذلك قالت الإماميّة بعصمة الأئمّة لكنّهم لا يشعرون أن الإمداد يأتي إليهم من هذا المكان وإذا سعدوا سرت أرواحهم في هذه

--> ( 38 ) قوله : فأمّا في الفصل الثالث . راجع الفتوحات المكيّة ج 3 ، ص 433 . ير المحيط الأعظم والبحر الخضم ، ج 2 ، ص : 93 المعارج بعد الفصل والقضاء ( النافذ بهم ) لأنّها إلى هذا الفلك تنتهي لا تتعدّاه فإنّها لم تعتقد سواه ، فهم وان كانوا اثنى عشر ، فهم على أربع مراتب لأنّ العرش على أربع قوائم ، والمنازل ثلاثة : دنيا وبرزخ وآخرة ( و ) ما ثمّ رابع ، ولكلّ منزل من هذه المنازل أربعة لا بدّ منهم لهم الحكم في أهل هذه المنازل ، فإذا ضربت ثلاثة في أربعة كان الخارج من هذا الضرب اثنى عشر ، فلذلك كانوا اثنى عشر برجا . وهذا الباب والفصل ، فيهما أمثال ، ولكن كثيرة ولا تعلَّق لها بهذا المقام غير هذا . وهذا البحث دالَّة على صحّة ما قلناه في المقدّمة الأولى من فضيلة الأئمّة وتعدادهم في العدد المعيّن وغير ذلك ، وإذا تقرّر هذا ، وكان الغرض الأوّل من نقل هذه الأبواب بأسرها تحقيق العالم وترتيبه بعد أن بيّناه مفصّلا ومجملا . فلنشرع في تعيين الملائكة والجنّ ، وكيفيّة إيجادهم ، لأنّ ذلك أيضا من تماميّة ترتيب العالم وإيجاده ، فبحث الملائكة قد سبق ( سيأتي ) بعضه في خطبة مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين علي عليه السّلام ، وبعضه في هذا الباب ، والزّائد على ذلك توجد في مظانّه . وأمّا بحث الجنّ فله باب آخر في تعيين تخليقهم وتركيبهم وكيفيّة صدورهم من العلويّات والسفليّات نذكره ونرجع إلى غيره ، والغرض الأعظم والأحوج إلى تعيين الملك والجنّ هو أنّ في نفس التأويل سيجيء ذكر آدم وحوّاء والملائكة والجنّ وإبليس والشّيطان والسّجود والتّرك وذلك المكان يحتاج إلى تعيينهم وتفصيلهم ويخرج البحث عن المقصد فهذا المكان أولى به لأنّا إذا وصلنا في التّأويل إلى هذا المكان أمرنا الطَّالب أن يرجع إلى المقدّمات وإلى الموضع الفلاني ويظفر بمطلوبه ، وهذا أنسب وأليق من ذكرهم في نفس التأويل ، والحمد للَّه الَّذي ألهمنا لهذا وهدانا إليه ، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه واللَّه يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل . والباب المخصوص ببحث الجنّ وهو هذا :