السيد حيدر الآملي

67

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وقال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِه ِ عِلْماً [ سورة طه : 110 ] . فرجعوا إلى اللَّه في المعرفة به وتركوا الفكر في مرتبته ووفوه حقه لم ينقلوه إلى ما لا ينبغي له التفكّر فيه ، وقد ورد النّهي عن التفكّر في ذات اللَّه ، واللَّه يقول : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّه ُ نَفْسَه ُ [ سورة آل عمران : 28 و 30 ] . فوهبهم اللَّه من معرفته ما وهبهم ، وأشهدهم من مخلوقاته ومظاهره ما أشهدهم فعلموا أنّه ما يستحيل عقلا من طريق الفكر ، لا يستحيل نسبة إلهيّة ، فالَّذي ينبغي للعاقل أن يدين اللَّه به في نفسه أن يعلم : إِنَّ اللَّه َ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . من ممكن ومحال ولا كلّ محال ، نافذ الاقتدار ، واسع العطاء ، ليس لإيجاده تكرار ، بل أمثال تحدث في جوهر أوجده ( 28 ) ، وشاء بقاءه ، ولو شاء أفناه مع الأنفاس .

--> ( 28 ) قوله : « ليس لإيجاده تكرار ، بل أمثال تحدث في جوهر . يعني انّه « لا تكرار في التجلَّي » ، بل الواقع في الموجودات « هو تجدّد الأمثال » وتبدّلها ، ومن هذا المبني ، نشأ القول « بالحركة الجوهريّة » في الحكمة المتعالية ، وهذا القولان كحقيقة واحدة ، فهي في العرفان تلاحظ بالنّسبة إلى الموجودات كلَّها والعالم كلَّه ، فعنونت بالتّجدد الأمثال ، وفي الحكمة المتعالية يلاحظ بالنسبة إلى الطبيعة والموجودات الطبيعيّة ، فعنونت بالحركة الجوهريّة ، وكأنّ الحركة الجوهريّة مرتبة نازلة من التجدّد الأمثال . والثابت في الحركة الجوهريّة هو الصّورة ، كما أنّ الثابت في التجدّد الأمثال وتبدّل العالم هو أمر اللَّه الواحدة ووجهه الباقي المعبّر عنه بالوجود المطلق والوجود الساري والوجود المنبسط والظلّ الممدود ، كما قال اللَّه تعالى : * ( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ ) * [ سورة القمر : 50 . ] * ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ اللَّه ِ ) * [ سورة البقرة : 115 ] . * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ ) * [ سورة القصص : 88 ] . وعلى هذا لا يبقى شيء من الموجودات من الأعراض والجواهر والمجرّدات ، على حالين فيتبدّل العالم كلّ آن ، هذا بسبب استمرار الفيض من الحقّ سبحانه وتعالى ، فالعالم كما يحتاج إلى العلَّة في الحدوث كذلك يحتاج إليها في البقاء كما قال تعالى : * ( يَسْئَلُه ُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) * [ سورة الرّحمن : 29 ] . وقال : * ( أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * [ سورة ق : 15 ] . ومعنى تجدّد الأمثال وحقيقته هو الإخفاء والإظهار وعبّر عنه أحيانا بالإعدام والإيجاد ، كما قيل : ولا أقول بتكرار الوجود ولا عود الوجود فما في الأمر تكرار البحر بحر على ما كان من قدم إن الحوادث أمواج وأنهار لا يحجبنك أشكال مشكلة عمّن تشكل فيها فهي أستار وكن فطينا بها في أيّ مظهره فإنّ ذا الأمر إخفاء وإظهار ونعم ما قال فقيه العرفاء وعارف الفقهاء الإمام الخميني ( رض ) في المقام : ليس هذا الإعدام إعداما مطلقا حتّى يكون الإيجاد من قبيل إعادة المعدوم ، بل الإعدام هو الإدخال تحت الأسماء الباطنة المناسبة ، والإيجاد هو الإظهار من الأسماء الظاهرة المناسبة . راجع تعليقاته على الفصوص ص 191 . وإليك بعض عبادات القوم حول تجدّد الأمثال : قال الشيخ الأكبر في الفتوحات ( ج 3 ، ص 172 ، ط ج ) ( ج 1 ، ص 184 ط ق ) : فإنّ اللَّه تعالى لا يكرّر تجلَّيا على شخص واحد ، ولا يشرّك فيه بين شخصين للتوسّع الإلهي ، وإنّما الأمثال والأشباه توهم الرّائي والسّامع للتشابه الَّذي يعسر فصله إلَّا على أهل الكشف . وقال أيضا في الباب الثالث والسبعون في السؤال الثامن : فتحدث نشأة الإنسان مع الأنفاس ولا يشعر بها ، وهو قوله تعالى : * ( وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ) * [ سورة الواقعة : 61 ] . يعني مع الأنفاس ، ففي كلّ نفس له فينا إنشاء جديد بنشأة جديدة ، ومن لا علم له بهذا فهو : * ( فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * [ سورة ق : 15 ] . لأنّ الحسّ يحبه بالصورة الَّتي لم يحسّ بتغييرها مع ثبوت عين القابل للتغيير مع الأنفاس . قال في الفصوص ، الفصّ الشيثي ( شرح القصيري ص 177 ) : فما في الحضرة الإلهيّة لاتّساعها شيء يتكرّ أصلا . قال القيصري : وذلك لأنّ الأسماء غير متناهية ، والفائض أيضا من اسم واحد بحسب شخصيّته يغاير ما هو مثله ، فإنّ مثلين أيضا متغايران ، فلا تكرار أصلا ، لذلك قيل : « إنّ الحقّ لا يتجلَّى بصورة مرتين » ، ولمّا كان الحقّ المشهود عند : انّ الأعراض والجواهر في كلّ آن يتبدّل ولا تكرار قال : « وهذا هو الحقّ الَّذي يعوّل عليه » . . . فالمستفيض سواء كان عقولا ونفوسا مجرّدة ، أو أشياء زمانية يحصل لهم في كلّ آن وجود مثل الوجود الأوّل ولا تكرار ، وهكذا فيما يتبعه . انتهى . ( أي يتجدّد الوجود في كمالات وجود الشيء أيضا ) . قال القيصري في موضع آخر ( ص 289 ) : ويظهر هذا المعنى في النّار المشتعلة من الدّهن والفتيلة ، فإنّه في كلّ آن يدخل منهما شيء في تلك النّاريّة ويتّصف بالصّفة النورانيّة ، ثمّ يذهب تلك الصّورة بصيرورته هواء ، وهكذا شأن العالم بأسره فإنّه يستمد دائما من الخزائن الإلهيّة فيفيض منها ويرجع إليها . أقول : فلاحظ أيضا استمرار ضوء مصباح كهربائي بسبب الطَّاقة الكهربائيّة ، واستمرار الصورة على شاشة التلفزيون ، وغير ذلك من الأمور المختلفة الَّتي يريد استمرار الشيء فيها بسبب استمرار وصول الطاقة من أصله ، ولكنّا نتخيّل أنّه شيء واحد ، وأنّه ثابت ، وأنّه مستقلّ ! . وأدقّق الأمثلة في هذا المورد الصّور الذهنيّة ، الَّتي تستمر وجودها في الذهن ما دام الإنسان متوجّها إليها ، ومعلوم أنّ التوجّه من الإنسان للصور يفيض الوجود إليها ، ووجودها باق ما دام التوجّه باق وإفاضة الوجود يستمر ويتجدّد آنا فآنا ، من عرف نفسه فقد عرف ربّه . قال ابن فناري في مصباح الأنس ص 290 : إن قلت : فالمتماثلات المتّحدة في صورة المعلوميّة الَّتي هي الحقيقة المشتركة كيف يختلف أحكامها وصورها ومدبّر الكلّ الاسم المتعيّن بتلك الحقيقة فيكون الأسماء أيضا متماثلة . قلت : بين كلّ اسم واسم فروق شتّى وإنّ توهّمت المثليّة ، وذلك لأنّ الشيئين يمتنع اتّحادهما من كلّ وجه ولا اختلاف إلَّا باختلاف بعض الحقائق الَّتي تعيّن المجموع منها فبذلك تعيّن لكلّ مجموع اسم برأسه وامتنع التكرار في التجلَّي ( لأنّه ) عبث وتحصيل للحاصل . قال صدر المتألَّهين في الأسفار ج 7 ، ص 328 : « فالفيض من عند اللَّه باق دائم ، والعالم متبدّل زائل في كلّ حين ، وإنّما بقاءه بتوارد الأمثال كبقاء الأنفاس في مدّة حياة كلّ واحد من الناس ، والخلق في لبس وذهول عن تشابه الأمثال وتعاقبها على وجه الاتّصال » . ونختم الكلام بما قال به الحكيم السبزواري المنظومة ص 249 : وجوهريّة لدينا واقعة إذ كانت الأعراض كلَّا تابعة والطبع ان يثبت فينسدّ العطاء بالثابت السيّال كيف ارتبطا وفي استحالة العلوم ظاهر إذ صور الجواهر جواهر ثمّ اتّحاد العرضي بالعرض إلَّا في الاعتبار مثبت الغرض تجدّد الأمثال كونا ناصري إذ الوجود جوهر في جوهر