السيد حيدر الآملي

64

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

حجمه وجرمه ، وإنّما قال اللَّه فيه بأنّ : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ سورة غافر : 57 ] . لكون الإنسان متولَّدا عن السّماء والأرض فيما له كالأبوين رفع اللَّه مقدارهما : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ غافر : 57 ] . فلم يرد في الجرميّة فان ذلك معلوم حسّا . ( ابتلاء الإنسان بقوّة العقل والتفكّر ) غير أنّ اللَّه تعالى ابتلاه ببلاء ما ابتلى به أحدا من خلقه إمّا لأن يسعده أو يشقيه على حسب ما يوفقه إلى استعماله ، فكان البلاء الَّذي ابتلاه به أن خلق فيه قوّة تسمّى الفكر وجعل هذه القوّة خادمة لقوّة أخرى تسمّى العقل ، وجبر العقل مع سيادته على الفكر أن يأخذ منه ما يعطيه ولم يجعل للفكر مجالا إلَّا في القوّة الخياليّة ، محلا جامعا لما تعطيها القوّة الحسّاسة وجعل له قوّة يقال لها : المصوّرة ، فلا يحصل في القوّة الخياليّة إلَّا ما أعطاه الحسّ ، أو أعطته القوّة المصوّرة ومادّة المصوّرة ، من المحسوسات ، فتركب صورا لم يوجد لها عين ، لكن أجزاءها كلَّها موجودة حسّا ، وذلك لأنّ العقل خلق ساذجا ليس عنده من العلوم النظريّة شيء ، وقيل للفكر : ميّز بين الحقّ والباطل الَّذي في هذه القوّة الخياليّة فينظر بحسب ما يقع له فقد يحصل في شبهة ، وقد يحصل في دليل عن غير علم منه بذلك ، ولكن في زعمه أنّه عالم بصور الشّبه من الأدلة وأنّه قد حصل على علم ولم ينظر إلى قصور الموادّ الَّتي استند إليها في اقتناء العلوم فتقبلها العقل منه ويحكم بها فيكون جهله أكثر من علمه بما لا يتقارب . ( تكليف العقل بمعرفة الحقّ سبحانه ) ثمّ إنّ اللَّه كلَّف هذا العقل معرفة سبحانه ليرجع إليها فيها لا إلى غيره ، ففهم العقل نقيض ما أراد به الحقّ بقوله تعالى :