السيد حيدر الآملي
61
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
الوجود خلاء ، فلمّا عمره بالهواء حنّ إليها حنينه إلى نفسه لأنّها جزء منه ، وحنّت إليه لكونه موطنها الَّذي نشأت منه ، فحبّ حوّاء حبّ الموطن ، وحبّ آدم حبّ نفسه ، ولذلك يظهر حبّ الرّجل للمرأة إذ كانت عينه ، وأعطيت المرأة القوّة المعبّر عنها بالحياء في محبة الرّجال فقويت على الإخفاء ، لأنّ الموطن لا يتّحد بها اتّحاد آدم بها . فصوّر في ذلك الضّلع جميع ما صوّره وخلقه في جسم آدم ، فكان نشؤ جسم آدم في صورته كنشؤ الفاخوريّ فيما ينشئه من الطين والطبخ ، وكان نشؤ حواء نشؤ النّجار فيما ينحته من الصّور في الخشب ، فلمّا نحتها في الضلع ، وأقام صورتها وسوّاها وعدّلها ، نفخ فيها من روحه فقامت حيّة ناطقة أنثى ، ليجعلها محلَّا للزراعة والحرث لوجود الإنبات الَّذي هو التناسل ، فسكن إليها وسكنت إليه ، وكانت لباسا له وكان لباسا لها ، قال تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [ سورة البقرة : 187 ] . وسرت الشّهوة منه في جميع أجزائه فطلبها . فلمّا تغشّاها وألقى الماء في الرّحم ، ودار بتلك النّطفة من الماء دم الحيض الَّذي كتبه اللَّه على النّساء ، تكوّن في ذلك الجسم جسم ثالث على غير ما تكوّن منه جسم آدم وجسم حواء ، فهذا هو الجسم الثالث ، فتولَّاه اللَّه بالنشوء في الرّحم حالا بعد حال بالانتقال من ماء إلى نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظم ، ثمّ كسا العظم لحما ، فلمّا تمّ نشأته الحيوانيّة ، أنشاه خلقا آخر ، فنفخ فيه الرّوح الإنساني . فَتَبارَكَ اللَّه ُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ سورة المؤمنون : 14 ] . ولولا طول الأمر لبيّنا تكوينه في الرّحم حالا بعد حال ، ومن يتولّ ذلك من الملائكة الموكّلين بإنشاء الصّور في الأرحام إلى حين الخروج ، ولكن الغرض الإعلام بانّ الأجسام الإنسانيّة ، وإن كانت واحدة في الحدّ والحقيقة والصّورة الحسيّة والمعنويّة ، فإنّ أسباب تأليفها مختلفة ، لئلَّا يتخيّل أن ذلك لذات السّبب تعالى اللَّه ، بل ذلك راجع إلى فاعل مختار يفعل ما يشاء كيف يشاء من غير تحجير ولا قصور على أمر دون أمر .