السيد حيدر الآملي
562
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وأقوى من شهوتك ( إلى الأكل ) للأكل والشرب والنكاح لكنت تؤثر جنّة المعرفة ورياضها وبساتينها على الجنّة الَّتي لقضاء ( فيها قضاء ) الشهوات المحسوسة لأن جنة المعارف هي الجنّة الَّتي لا نهاية لأطرافها إذ معرفة جلال اللَّه تعالى وأفعاله لا نهاية لها والجنّة الَّتي تعرفها خلقت من أجسام فهي وان اتسعت أكنافها فمتناهية إذ ليس في الإمكان خلق جسم بلا نهاية فإنّه محال وإيّاك أن تستبدل الَّذي هو أدنى بالَّذي هو خير فتكون من جملة البله إن كنت من أهل الجنّة فإنّ أكثر أهل الجنّة البله . ثمّ اعلم ، ان هذه الشهوة خلقت للعارفين وإن لم يخلق لك كما خلق لك شهوة الجاه وإن لم يخلق للصبيان وإنّما للصبيان شهوة اللعب ، وأنت تتعجّب من الصّبيان في عكوفهم على لذّة اللَّعب وخلوّهم عن لذّة الرّياسة ، والعارف يتعجّب منك في عكوفك على لذّة الجاه والرّياسة ، فإنّ الدّنيا بحذافيرها عند العارف لهو ولعب ، ولما خلقت هذه الشّهوة للعارفين كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم فلا نسبة لتلك اللَّذة إلى لذّة الشّهوات الحسيّة ، فإنّها لذّة لا يعتريها الزّوال ولا يفترّها الملال بل لا يزال يتضاعف ويترادف بزيادة المعرفة والإغراق فيها بخلاف ساير الشهوات إلَّا أنّ هذه الشهوات لا تخلق في الإنسان إلَّا بعد البلوغ أعني البلوغ إلى حدّ الرّجال ومن لم يخلق فيه فهو إمّا صبيّ بعد لم تكمل فطرته لقبول هذه الشهوات أو عنّين أفسد كدورة الدنيا وشهواتها فطرته الأصليّة وشهواتها الحقيقيّة ، فالعارفون لمّا رزقوا شهوة المعرفة ولذّة النظر إلى جلال اللَّه تعالى فهم من مطالعتهم جمال ( جلال ) الحضرة الرّبوبيّة في جنّة عرضها السّماوات والأرض بل أكبر وأعظم وهي جنّة عاليّة قطوفها دانية فإنّ فواكهها صفة ذاتهم وليست بمقطوعة ولا ممنوعة إذ لا مضايقة في المعارف وعلى هذا التقدير لا مضايقة في الجنّة لأنّ جنّة كلّ واحد منهم مخصوصة به وليس للآخر فيها مدخل وليس هناك بخل ولا منع ، فالعارفون ينظرون إلى العاكفين في حضيض الشّهوات نظر العقلاء إلى الصبيان عند عكوفهم على لذّات اللَّعب ، ولذلك تراهم يستوحشون من أكثر الخلق ويؤثرون الخلوة والعزلة فهي أحبّ الأشياء إليهم ويهربون من الجاه والمال فإنّه يشغلهم عن لذّة المناجاة ويعرضون عن الأهل والولد ترفعا ( رفعا ) عن الاشتغال بهم عن اللَّه تعالى ، وترى النّاس يضحكون منهم ويقولون في حقّ من يرونه منهم أنّه