السيد حيدر الآملي

503

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

البحث الخامس في تحقيق الكلمات من حيث التوحيد اعلم ، أنّ قوله : أوتيت جوامع الكلم ( 321 ) . معناه : إنّي جئت جامعا للكلمات الوجوديّة الآفاقيّة المسمّاة بالمظاهر الإلهيّة ، أعني جئت حتّى أجمعها بحكم التوحيد الذّاتي من كلمة واحدة جامعة للكلمات كلَّها كالإنسان مثلا ، أو الوجود المطلق الحقّ تعالى وحده ، فإن الوجودات الخاصّة كالكلمات المتعدّدة المنحصرة كلمة الوجود المطلق ، الَّتي هي كلمة واحدة ، حصر المقيّدات تحت المطلق ، والخاصّ تحت العام . ثمّ الكلمة في حرف واحد الَّذي هو التّعيّن الأوّل الموسوم بالباء . ثمّ في النّقطة الوجوديّة المركزيّة الموجبة للتميّز بين العبد والرّبّ ، كما سبق ذكرها ، المشار إليها في الخبر : بالباء ظهر الوجود ، وبالنّقطة تميّز العابد عن المعبود ( 322 ) . وتفصيل ذلك ، وهو أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، حيث كان سابقا وخاتما خصّ به المبتدائيّة والمنتهائيّة ، والخفاء والظَّهور ، فمرتبة خاتميّته يقتضي الظَّهور والكشف ، ومرتبة مبتدائيّته يقتضي الخفاء والكمون ، ولهذا في زمان آدم وغيره من الأنبياء عليهم السّلام لم يكن للتّوحيد هذا الظَّهور والكشف ، وكأنّه يقول : جئت لإظهار التّوحيد الذّاتي وأسراره وحقائقه على أتمّ ما يكون ، وكنّى بهذا الجمع الكلمات ، حيث كان

--> ( 321 ) قوله : أوتيت جوامع الكلم . وقد أشرنا إليه سابقا في تعليقتنا الرقم 22 . ( 322 ) قوله : بالباء ظهر الوجود . القائل هو محيي الدين عربي ، الفتوحات المكيّة ج 1 ، ص 102 . وقد أشرنا إليه في الجزء الأوّل ، ص 211 .