السيد حيدر الآملي

444

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

البحث الأوّل في الدّواة والقلم الصّادرة منهما هذه الكلمات اعلم ، أنّه قد سبق أنّ الكتاب القرآني كما أنّ ( أنّه ) دواة وقلم وأوراق ، فكذلك الكتاب الآفاقي فإنّ له أيضا دواة وقلم وأوراق . أمّا الدّواة والقلم والأوراق الَّتي تتعلَّق بالكتاب القرآني فتلك معلومة مشهورة . وأمّا الدّواة والقلم والأوراق الَّتي تتعلَّق بالكتاب الآفاقي فقد قلنا : إنّ الدواة فيه عبارة عن العقل الأوّل ، والقلم عن النفس الكلَّيّة المشار إليهما في قوله تعالى : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [ سورة القلم : 1 ] . وفي قوله : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ سورة العلق : 3 - 5 ] . والكلمات عن قوله تعالى : وَما يَسْطُرُونَ ، لأن المراد به كلمات الموجودات والمخلوقات المسطورة على ألواح الكائنات ، والرّق الوجود الإضافي ، وقد يقرّر أنّ هذا القلم له ثلاثمائة وستّون سنا من حيث ما هو قلم ، وثلاثمائة وستّون وجها من حيث ما هو عقل ، وثلاثمائة وستّون لسانا من حيث ما هو روح مترجم عن اللَّه تعالى ، ويستمدّ كلّ سنّ من ثلاثمائة وستّين بحرا ، وهي أصناف العلوم ، وسمّيت بحرا لاتّساعها ، وهذه البحور هي إجمال الكلمات الَّتي لا تنفد أبدا ، وتقرّر أن الأوراق والألواح عبارة عن الأجسام مطلقا ، وتقرّر أنّ الكاتب الكبير في هذه الكتابة العقل الأوّل المشار إليه في حديث النبوي : جفّ القلم بما هو كائن ( 231 ) .

--> ( 231 ) قوله : المشار إليه في الحديث النبويّ : جفّ القلم بما هو كائن . قد أخرج ابن حنبل في مسنده ج 307 ، ص 307 ، بإسناده عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : ألا أعلَّمك كلمات ينفعك اللَّه بهنّ ؟ فقلت : بلى ، فقال : احفظ اللَّه يحفظك اللَّه ، احفظ اللَّه تجده أمامك ، تعرّف إليه في الرّخاء يعرفك في الشدّة ، وإذا سألت فاسأل اللَّه ، وإذا استعنت فاستعن باللَّه ، قد جفّ القلم بما هو كائن ، فلو أنّ الخلق كلَّهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه اللَّه عليك لم يقدروا عليه ، وأن أرادوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه اللَّه عليك لم يقدروا عليه ، واعلم أنّ في الصّبر على ما تكره خيرا كثيرا ، وأنّ النصر مع الصّبر ، وأنّ الفرج مع الكرب ، وأنّ مع العسر يسرا . وأخرج مثله في ص 303 ، إلَّا إنّه فيه : فقد رفعت الأقلام وجفّت الكتب . وأيضا مثله في ص 292 ، وفيه : رفعت الأقلام وجفّت الصّحف . وفي جامع الترمذي أيضا ج 4 ، ص 667 ، الحديث 2516 مثله ، فراجع . وفي صحيح مسلم ج 4 ، ص 2040 ، كتاب القدر ، الحديث 2648 ، بإسناده عن جابر ابن عبد اللَّه قال : جاء سراقة بن مالك ، قال : يا رسول اللَّه : بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن ، فيما العمل اليوم ؟ أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير ، أم فيما نستقبل ؟ قال : لا ، بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير ، قال : ففيم العمل ؟ قال : اعملوا فكلّ ميسّر . وفي حديث بعده : كلّ عامر ميسّر لعمله . وفي حديث بعده : كلّ ميسّر لما خلق اللَّه . وذكر الحديث ابن ماجة أيضا ج 1 ، المقدّمة ، باب 10 ، ص 35 ، الحديث 91 . وأخرج أيضا في الباب ، الحديث 78 ، بإسناده عن عليّ ( ع ) ، عن النبيّ ( ص ) ، قال : ما منكم من أحد إلَّا وقد كتب مقعده من الجنّة ومقعده من النّار ، قيل : يا رسول اللَّه : أفلا نتّكل ؟ قال : لا ، اعملوا ولا تتّكلوا ، فكلّ ميسّر لما خلق له ، ثمّ قرأ : * ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُه ُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُه ُ لِلْعُسْرى ) * [ سورة اللَّيل : 5 - 10 ] . وروى الصدوق عليه الرّحمة في التوحيد ، باب 58 ( باب السعادة والشّقاوة ) ، الحديث 3 ، ص 356 ، بإسناده عن محمّد بن أبي عمير ، قال : سألت أبا الحسن موسى بن جعفر ( ع ) عن معنى قول رسول اللَّه ( ص ) : اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق اللَّه ؟ فقال : إنّ اللَّه عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه ، وذلك قوله عزّ وجلّ : * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * [ سورة الذاريات : 56 ] . فيسرّ كلَّا لما خلق له ، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى . وروى أيضا الصدوق في التوحيد ، باب 60 ( باب القضاء والقدر ) ، ص 376 ، الحديث 22 ، بإسناده عن أحمد بن عبد اللَّه الجويباري ، عن الرضا ( ع ) ، عن أبيه ، عن آبائه ( ع ) ، عن عليّ ( ع ) ، قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إنّ اللَّه عزّ وجلّ قدّر المقادير ودبّر التدابير قبل أن يخلق آدم بألفي عام . ورواه أيضا في عيون أخبار الرضا ( ع ) ، باب 11 ، ص 140 ، الحديث 39 . وأيضا في التوحيد ، باب 55 ( باب المشيّة والإرادة ) ، ص 343 ، الحديث 13 ، بإسناده عن معاذ بن جبل ، قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : سبق العلم ، وجفّ القلم ، ومضى القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرّسل ، وبالسّعادة من اللَّه عزّ وجلّ لمن آمن واتّقى ، وبالشقاء لمن كذّب وكفر ، وبولاية المؤمنين وبراءته من المشركين ، الحديث . وروى الحديث أيضا علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره في سورة فاطر ، ذيل الآية : * ( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّه ُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ) * [ الآية : 45 ] ، ص 210 ، ج 2 ، عن أبيه ، عن النوفليّ ، عن السكونيّ ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه ( ع ) ، عن رسول اللَّه ( ص ) مثله . راجع أيضا تعليقتنا الرقم 97 .