السيد حيدر الآملي
375
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
في بيان معنى العماء ثمّ اعلم ، أنّ جميع الإشارات المتقدّمة في صورة الباء والحروف والمظاهر وغيرها كناية عن ظهور الحقّ بصورة الخلق في عالم العماء الَّذي هو التعين الأوّل والمرتبة الثانية في الوجود . وعند البعض عن خفائه وكمونه في حضرة الذّات الَّتي هي الحضرة الأحديّة ، والأوّل أقوى وأقرب إلى الحقّ ، وسبب ذلك وهو الَّذي ورد في الحديث النبوي انّه سئل عن مكان الربّ قبل أن يخلق الخلق فقال : كان في عماء الحديث ( 178 ) .
--> ( 178 ) قوله : كان في عماء . أخرجه ابن ماجة في سننه المقدّمة باب 13 ، الحديث 182 ، ص 64 ، بإسناده عن أبي رزين قال : قلت : يا رسول اللَّه ! أين كان ربّنا قبل أن خلقه ؟ قال : « كان في عماء ، ما تحته هواء ، وما فوقه هواء ، وما ثمّ خلق ، عرشه على الماء » . أخرجه أيضا ابن حنبل في مسنده ج 4 ، ص 11 . ورواه أيضا ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي ج 1 ، ص 54 . أقول : العماء هو برزخ بين المرتبتين ، المرتبة العالية والمرتبة الدانية وله عناوين ومراحل مختلفة . الصادر الأوّل عماء من وجه ومقام الأحدية أيضا عماء من وجه كما أنّ مقام الواحديّة أيضا عماء من وجه . ويشير أيضا بالعماء إلى مقام الجمع كما يشر بالغماء إلى المقامات التفصيليّة ، فأصبح العماء في المراتب السفليّة غماء . وكما يعبّر عن الصادر الأوّل وهو حقيقة المحمّديّة صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالهباء وبهذا يمكن أن يكون المقصود من العماء مقام الذات جلَّت عظمته الَّذي كان يعبّر عنه بعض مشايخنا رحمه اللَّه بمقام الهاهوت وهو مقام غيب الغيوب وهو في حجاب مطلق . راجع في بيان حقيقة العماء وتفسيره : مصباح الأنس ص 74 وفصوص الحكم ( شرح القيصري ) ص 11 و 13 و 38 و 254 . قال ابن أبي جمهور في شرح الحديث : قال أهل الإشارة : أنّ مرتبة الأحديّة ، هي مرتبة العمائية الَّتي لا يلزمها شيء من الصفات والأسماء والأفعال ، فهي مرتبة العماء المشار إليه في الحديث ، وتلك المرتبة لا يمكن العلم بها ، ولا وصول العقول إليها ، لعدم الطريق الموصل ، فلمّا تنزل من تلك المرتبة إلى مرتبة الوحدانية ، الَّتي هي مرتبة الصفات والأسماء والأفعال ، ظهرت المسمّيات والأفعال وحصل بواسطتها التمييز والمعرفة . وقال القيصري في شرح الفصوص ص 38 : فأوّل ظهورها في صورة العقل الأوّل الَّذي هو صورة إجماليّة للمرتبة العمائيّة المشار إليها في الحديث الصحيح ( ذكر الحديث المذكور ) وقال : ولذلك قال عليه السّلام : « أوّل ما خلق اللَّه نوري » وأراد العقل كما أيّده بقوله : « أوّل ما خلق اللَّه العقل » ثمّ في صورة باقي العقول والنفوس الناطقة الفلكيّة وغيرها وفي صورة الطبيعة والهيولى الكلَّيّة والصّورة الجسميّة البسيطة والمركبة بأجمعها ، ويؤيّد ما ذكرنا قول أمير المؤمنين ولي اللَّه في الأرضين قطب الموحدين علي بن أبي طالب عليه السّلام في خطبة كان يخطبها للناس : أنا نقطة باء بسم اللَّه ، أنا جنب اللَّه الَّذي فرطتم فيه ، وأنا القلم ، وأنا اللوح المحفوظ ، وأنا العرش وأنا الكرسي ، وأنا السّماوات السبع والأرضون إلى أن صحا في أثناء الخطبة وارتفع عنه حكم تجلَّي الوحدة ورجع إلى عالم البشريّة وتجلَّى له الحقّ بحكم الكثرة فشرع معتذرا فأقر بعبوديّته وانقهاره تحت أحكام الأسماء الإلهيّة ، وكذلك قيل : الإنسان الكامل لا بدّ أن يسري في جميع الموجودات كسريان الحقّ فيها . قال محيي الدّين بن عربي في الفتوحات المكّيّة ج 2 ، ص 70 ، ط ج . فاعلم أيّها الولي الحميم ، أنّ المحقق الواقف العارف بما تقتضيه الحضرة الإلهيّة من التقديس والتنزيه ونفي المماثلة والتشبيه ، ولا يحجبه ما نطقت به الآيات والأخبار في حقّ تعالى من أدوات التقييد بالزمان والجهة والمكان كقوله عليه السّلام : أين اللَّه ؟ . . . وقال تعالى في الظاهر : * ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ ) * [ سورة الملك : 16 ] . وقال : * ( وَكانَ اللَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) * [ سورة الأحزاب : 40 ] . و : * ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) * [ سورة طه : 5 ] . * ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) * [ سورة الحديد : 4 ] . * ( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) * [ سورة المجادلة : 7 ] . و « يفرح بتوبة عبده » و « يعجب من الشاب ليست له صبوة » ، وما أشبه ذلك من الأدوات اللفظيّة التشبيهيّة . وقال أيضا في ج 2 ، ص 349 ، ط ج : اعلم أنّ اللَّه تعالى كان قبل أن يخلق الخلق ولا قبليّة زمان ، وإنّما ذلك عبارة للتوصيل ، تدل على نسبة يحصل بها المقصود في نفس السامع ، كان جلّ تعالى في عماء ، ما تحته هواء وما فوقه هواء ، وهو أوّل مظهر إلى ظرفيه ، سرى فيه النور الذاتي كما ظهر في قوله : * ( اللَّه ُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * [ سورة النور : 35 ] . فلمّا انصبغ ذلك العماء بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيّمين الَّذين هم فوق عالم الأجساد الطبيعيّة ، ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم ، فلمّا أوجدهم تجلَّى لهم ، فصار لهم ذلك التجلَّي غيبا ، كان ذلك الغيب روحا لهم ، أي لتلك الصور ، وتجلَّى لهم في اسمه الجميل ، فهاموا في جلال جماله فهم لا يفيقون . أقول : هناك أحاديث عن أهل البيت عليهم السّلام في نفي الأين والمكان عن اللَّه سبحانه وتعالى ولا منافاة بينها وبين الحديث المذكور بعد ما تبيّن المقصود منه . فأمّا الأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السّلام فنذكر هنا بعضها تيمّنا فهي ما يلي : روى الكليني في الكافي ج 1 ، ص 90 ، الحديث 6 بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) قال : « قال رأس الجالوت لليهود : إن المسلمين يزعمون أنّ عليّا ( ع ) من أجدل النّاس وأعلمهم ، اذهبوا بنا إليه لعليّ أسأله عن مسألة وأخطَّئه فيها فأتاه فقال : يا أمير المؤمنين أنّي أريد أن أسألك عن مسألة ، قال : سل عمّا شئت ، قال : يا أمير المؤمنين متى كان ربّنا ؟ قال له : يا يهوديّ إنّما يقال : متى كان لمن لم يكن ، فكان متى كان ، هو كائن بلا كينونيّة ، كائن كان بلا كيف يكون ، بلى يا يهوديّ ثمّ بلى يا يهوديّ كيف يكون له قبل ؟ ! هو قبل القبل بلا غاية ولا منتهى غاية ولا غاية لها ، انقطعت الغايات عنده ، هو غاية كلّ غاية فقال : أشهد أنّ دينك الحقّ وأنّ ما خالفه باطل . وروى الصدوق في « التوحيد » ص 115 ، الحديث 14 باب ما جاء في الرؤية ، بإسناده عن أبي عبد اللَّه الإمام الصادق عليه السّلام قال : إنّ اللَّه عظيم ، رفيع ، لا يقدر العباد على صفته ، ولا يبلغون كنه عظمته ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، ولا يوصف بكيف ولا أين ولا حيث ، فكيف أصفه بكيف وهو الَّذي كيّف الكيف حتّى صار كيفا ، فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف ، أم كيف أصفه بأين وهو الَّذي أيّن الأين حتّى صار أينا ، فعرفت الأين بما أيّن لنا من الأين ، أم كيف أصفه بحيث وهو الَّذي حيّث الحيث حتّى صار حيثا ، فعرفت الحيث بما حيّث لنا من الحيث ، فاللَّه تبارك وتعالى داخل في كلّ مكان ، وخارج من كلّ شيء ، لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، لا إله إلَّا هو العليّ العظيم ، وهو اللطيف الخبير .