السيد حيدر الآملي
357
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وترتيب ظهوره ونزوله من عالم الإطلاق والتجريد إلى عالم التقييد والتفصيل ، وتعيّنه ترتيب ظهور الألف من عالم إطلاقه ، وتجرّده إلى عالم التركيب والترتيب ، أعني كما ينسب هذا الوجود المطلق الواحد إلى كلّ واحد واحد من المقيّدات الممكنة ويحصل بسببه ظهور وكثرة فكذلك الألف فانّه ينسب أيضا إلى كلّ واحد واحد من الحروف المقطَّعة ويحصل بسببه ظهور وكثرة ، فكما يحصل للألف بسبب تعيّن كلّ حروف من الحروف اسم ووصف مغاير لاسم آخر ووصف آخر ، فكذلك الحقّ تعالى فإنّه يحصل به بسبب تعيّن كلّ موجود مشخّص اسم ووصف مغاير لاسم آخر ووصف آخر ، لأنّ الألف مثلا كما يحصل له أسم الباء بالنسبة إلى الباء واسم الجيم بالنسبة إلى الجيم واسم الدّال بالنسبة إلى الدال ، فكذلك الحقّ تعالى فانّه يحصل له اسم العالم بالنسبة إلى المعلوم واسم القادر بالنسبة إلى المقدور واسم الخالق بالنسبة إلى المخلوق ، وكذلك جميع الأسماء والصفات ، والوحدات والكثرات : وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ سورة العنكبوت : 43 ] . وقد سبق ان العلم ماله تأثير في المعلوم بالنسبة إلى الواجب أو الممكن ، وقد تقدّم أنّه تعالى عالم بالمعلومات الذّاتيّة أذلا وأبدا ، فحينئذ ظهوره بصورة معلوم من المعلومات لا يكون إلَّا على الوجه الَّذي كان عالما بذلك المعلوم ، فظهوره بصور مفردات العالم وبسائطه الَّتي هي مظاهره الأوّليّة العلويّة لا يكون إلَّا على الوجه الَّذي كانت هي عليه ، وهذه المفردات في الآفاق والكتاب الإلهيّ تسمّي حروفا ، وظهوره بصور مركبات العالم ومشخّصاته الَّتي هي مظاهره الثانية لا يكون إلَّا على الوجه الَّذي كانت هي عليه ، وهذه المركبات في الآفاق والكتاب الإلهي تسمّى كلماتا ، وظهوره بصور كليّات العالم وأجناسه الَّتي هي مظاهره الثالثة لا يكون إلَّا على الوجه الَّذي