السيد حيدر الآملي

353

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وهذه الآية نزلت في معرض أنّ النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال فرغ اللَّه تعالى من أربع ، من الخلق والخلق ، والرزق والأجل ، فقالت اليهود فالآن ليس له شغل ، وهذا أمر بالتعطيل ، واعتقاد فاسد عند التحقيق ، فقال النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : نعم له شغل من غير اشتغال به وهو إيصال ما ثبت في القضاء إلى القدر . فنزل جبرئيل عليه السّلام بقوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ سورة الرّحمن : 29 ] . وشأنه ما ذكرناه ، وهو إيصال القضاء الَّذي هو الإجمال إلى القدر الَّذي هو التفصيل ، لقوله أيضا : يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ [ سورة السجدة : 5 ] . أي من العلويّات إلى السّفليّات ، ومن الرّوحانيّات إلى الجسمانيّات ، أو من الملكوت إلى الملك ، أو من الغيب إلى الشهادة ، فإنّ الكلّ واحد كما قيل : العين واحدة والحكم مختلف وذاك سرّ لأهل العلم ينكشف فافهم جدا فإنّه دقيق . وإلى الشؤون المذكورة أشار القوم في اصطلاحهم بقولهم : الشؤون الذاتيّة اعتبار نقوش الأعيان والحقائق في الذّات الأحديّة كالشجرة وأغصانها وأوراقها وأزهارها وثمارها في النّواة مثلا وهي الَّتي تظهر في الحضرة الواحديّة وتنفصل في الحضرة الأحديّة ، وقسّموها أيضا أقساما وجعلوا هذا القسم من الحروف العاليات والشئون الذاتيّات ، لقولهم : الحروف العاليات هي الحقائق الكامنة في ذاته المقدّسة ، كالشجرة في النواة . ومعلوم أنّ الذّات الأحديّة أعلى العاليات وأعظم الموجودات وأشرفها وبل موجودها ومنشئها ، وإلى هذه الحروف وثبوتها في الحضرة العلميّة ، والعوالم الغيبيّة المعبّرة عنهما بالذّات الأحديّة ، أشار العارف نظما وقال :