السيد حيدر الآملي

341

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

كلام اللَّه تعالى وارد باللطف والسهولة والشدّة والعسف والرّجاء والخوف وذلك بحسب أوصافه إذ منها الرّحمة واللطف والإنعام والبطش ، فبحسب مشاهدة الكمالات والصفات يتقلَّب في اختلاف الحالات ، وبحسب كلّ حالة منها يستعدّ لنوع من المكاشفة مناسب لتلك الحالة إذ يستحيل أن يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلف ، إذ فيه كلام رضي ، وكلام غضب ، وكلام إنعام ، وكلام انتقام ، وكلام جبروت وتكبّر ، وكلام جنّة وتعطَّف . فهذه هي وظائف التلاوة ولنرجع إلى المتن فنقول : قوله : « وخلَّف فيكم ما خلَّفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ولا علم قائم » . إشارة إلى وضح ما يجب وضعه في الحكمة الإلهيّة على ألسنة الرسل عليهم السّلام من العبادات الشرعيّة والقوانين الكلَّيّة الَّتي بها يبقى ذكر اللَّه سبحانه محفوظا ، واستعمال لفظ القائم هاهنا استعارة حسنة للآثار الباقية عن الأنبياء الَّتي يهتدي بها الأوصياء والأولياء الَّذين يرجع إليهم الخلق . قوله : « كتاب ربّكم » ، عطف بيان لما في قوله : « ما خلَّفت الأنبياء » ، ولا ينبغي أن يفهم من « ما » شخص الكتاب حتّى يكون ما أتى به محمد ( ص ) من الكتاب هو عين ما أتت به الأنبياء السّابقون عليهم السّلام وشخصه فإنّ ذلك محال ، بل المراد « بما » نوع ما خلَّفت الأنبياء في أممها من الحقّ ، وما جاء به محمّد ( ص ) شخص من أشخاص ذلك النوع ، وبيان ذلك أنّ القوانين الكلَّيّة الَّتي اشتركت في الإتيان بها جميع الأنبياء عليهم السّلام من التوحيد والتنزيه للَّه تعالى وأحوال البعث والقيامة وسائر القواعد الكلَّيّة الَّتي بها يكون النظام الكلَّي للعالم كتحريم الكذب والظلم والقتل والزنا وغير ذلك ممّا لم يخالف فيه نبيّ نبيّا بمنزلة بماهيّة واحدة كلَّية وجدت في أشخاص ، وكما تعرض لبعض أشخاص الماهيّة عوارض لا تكون للشخص الآخر وبها يكون اختلاف بين الأشخاص بحسب الموادّ الَّتي نشأت منها الصّور الشخصيّة ، كذلك الكتب المنزلة على ألسنة الأنبياء عليهم السّلام بمنزلة أشخاص اشتملت على ماهيّة واحدة تختلف بحسب الزيادات والعوارض على تلك الماهيّة بحسب اختلاف الأمم