السيد حيدر الآملي
326
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فلا ينبغي أن يقصّر نظره على النطفة والماء والنّار ، بل ينظر في المني وهو نطفة ، ثمّ في كيفيّة انقسامها إلى اللحم والعظم والعصب والعروق وغيرها ، ثمّ في كيفيّة أشكال أعضائها المختلفة من المستدير والطويل والعريض والمستقيم والمنحني والرّخوة والصلب والرقيق والغليظ ، وما أودع في كلّ من القوّة وهيّأ ( وهبا ) له من المنفعة الَّتي لو اختلّ شيء منها لا لاختلّ أمر البدن ومصالح الإنسان ، فليتأمل في هذه العجائب وأمثالها ليترقّى فيها إلى عجيب قدرة اللَّه تعالى والمبدأ الَّذي صدرت عنه هذه الآثار ، فلا يزال مشاهدا لكمال الصانع في كمال صنعه . وأمّا أحوال الأنبياء عليهم السّلام ، فليفهم من سماع كيفيّة تكذيبهم وقتل بعضهم صفة استغناء اللَّه تعالى عنهم ، ولو هلكوا بأجمعهم لم يتضرّر بذلك ولم يؤثّر في ملكه ، فإذا سمع نصرتهم فليفهم أنّ ذلك بتأييد إلهيّ كما قال تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ [ سورة يوسف : 110 ] . وأمّا أحوال المكذّبين لهم كعاد وثمود وكيفيّة إهلاكهم فلينبّه من سماعه لاستشعار الخوف من سطوة اللَّه ونقمته وليكن حظَّه منه الاعتبار في نفسه ، وأنّه إن غفل وأساء الأدب فربّما أدركته النقمة ونفذت فيه القضيّة حيث لا ينفع مال ولا بنون ، وكذلك إذا سمع أحوال الجنّة والنّار فليحصل منهما على خوف ورجاء وليتصوّر أنّه بقدر ما يبعد عن أحدهما يقرب من الآخر ، وليفهم منها ومن سائر القرآن أنّ استقصاء ما هناك من الأسرار الإلهيّة غير ممكن لعدم نهايته ، قال تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِه ِ مَدَداً [ سورة الكهف : 109 ] . وقال عليّ عليه السّلام : لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ( 137 ) .
--> ( 137 ) قوله : لو شئت لأوقرت . قد مرّ الحديث في الجزء الأوّل من التفسير ص 362 وذكرنا هناك أيضا مصادره فراجع . وذكره الغزالي في ( إحياء العلوم ) ص 283 . رواه ابن شهرآشوب في المناقب ج 2 ، ص 43 ، ورواه السيّد الجليل النجفي المرعشي قدّس سرّه في ( ملحقات الإحقاق ) ج 7 ، ص 593 إلى 595 عن عدّة من علماء السنّة وكتبهم فراجع . ( 138 ) قوله : لولا أنّ الشياطين . مرّ الحديث في الجزء الأوّل ص 272 وذكرنا مصادره هناك في الرقم 49 فراجع ، ونذكر هنا بعض الآيات والأحاديث المناسبة : ألف - قوله تعالى : * ( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) * [ سورة المطففين : 14 - 15 ] . ب - قوله تعالى : * ( كَلَّا إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُه ُ الْمُقَرَّبُونَ ) * [ سورة المطففين : 18 - 21 ] . ج - قوله تعالى : * ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناه ُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَه ُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناه ُ بِها وَلكِنَّه ُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواه ُ ) * [ سورة الأعراف : 175 - 176 ] . د - قوله تعالى : * ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ) * [ سورة التكاثر : 5 - 7 ] . ه - قوله تعالى : * ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) * [ سورة الأنعام : 75 ] . ز - روى الكليني في الكافي ج 2 ، ص 63 ، الحديث 2 ، باب حقيقة الايمان واليقين ، باسناده عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : انّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم صلَّى بالناس الصبح ، فنظر إلى شاب ( في حديث آخر هو : حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري ) في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه ، مصفرّا لونه ، قد محف جسمه وغارت عيناه في رأسه ، فقال له رسول اللَّه ( ص ) : كيف أصبحت يا فلان ؟ قال : أصبحت يا رسول اللَّه موقنا ، فعجب رسول اللَّه ( ص ) من قوله وقال : إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ فقال : إنّ يقيني يا رسول اللَّه هو الَّذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدّنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم وكأنّي أنظر إلى أهل النّار وهم فيها معذبون مصطرخون وكأنّي الآن أسمع زفير النّار ، يدور في مسامعي ، فقال رسول اللَّه ( ص ) لأصحابه : هذا عبد نوّر اللَّه قلبه بالإيمان ، ثمّ قال له : ألزم ما أنت عليه ، فقال الشاب : ادع اللَّه لي يا رسول اللَّه أن أرزق الشهادة معك ، فدعا له رسول اللَّه ( ص ) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ ( ص ) فاستشهد بعد تسعة نفرات وكان هو العاشر . وراجع أيضا في شرح الحديث مفاتيح الغيب ( لمؤلَّفه صدر المتألهين ) ص 188 و 210 .