السيد حيدر الآملي

307

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

عليهم فإنّ كلّ هذه الآثار موادّ احتجاج الأنبياء على الخلق لينبّهوهم بصدورها عن العزيز الجبار عزّ سلطانه ، على انّه هو الملك المطلق الَّذي له الخلق والأمر ، وليقرّروا في أذهانهم صورة ما نسوه من العهد المأخوذ عليهم في الفطرة الأصليّة من أنّه سبحانه هو الواحد الحقّ المتفرّد باستحقاق العبادة ، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ [ سورة الأنبياء : 32 ] . وقوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّه ُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِه ِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ سورة البقرة : 164 ] وقوله تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ سورة الذّاريات : 47 - 49 ] . إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على احتجاج الخالق سبحانه على خلقه بألسنة رسله وتراجمة وحيه ، وجذبهم بهذه الألطاف إلى القرب من ساحل عزّته والوصول إلى حضرة قدسه سبحانه وتعالى عمّا يشركون ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّه ِ لا تُحْصُوها إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ سورة إبراهيم : 34 ] . ( في أنّ اللَّه سبحانه لم يخل أمّة من بنيّ مرسل ) قوله : « ولم يخل اللَّه سبحانه خلقه إلى قوله : وخلقت الأبناء » . أقول : المقصود الإشارة إلى بيان عناية اللَّه سبحانه بالخلق حيث لم يخل أمّة منهم من نبيّ مرسل يجذبهم إلى جناب عزّته كما قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ سورة فاطر : 24 ] . أو ( و ) كتاب منزل يدعوهم إلى عبادته ويذكّرهم فيه منسيّ عهده ويتلى عليهم فيه أخبار الماضين والعبر اللاحقة للأوّلين ويحتجّ عليهم فيه بالحجج البالغة ، والدلائل