السيد حيدر الآملي
305
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فنودي يومئذ : حفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ( 123 ) . واعلم ، أنّ أخذ الذرّية يعود إلى إحاطة اللوح المحفوظ بما يكون من وجود النوع الإنساني بأشخاصه ، وانتقاشه بذلك عن قلم القضاء الإلهي ، ولمّا كان بالإنسان تمام العالمين في الوجود الخارجي فكذلك هو في التقدير القضائي المطابق له ، وبه يكون تمام التقدير وجفاف القلم ، وامّا إشهادهم على أنفسهم فيعود إلى إنطاق إمكانهم بلسان الحاجة إليه وأنّه الإله المطلق الَّذي لا إله غيره ، وامّا بيان ملازمة الشرطيّة فلأنّه لمّا كان الغالب على الخلق حبّ الدنيا ، والإعراض عن مقتضى الفطرة الأصليّة الَّتي فطرهم عليها ، والالتفات عن القبلة الحقيقيّة الَّتي أمروا بالتوجّه إليها ، وذلك بحسب ما ركّب فيهم من القوى البدنيّة المتنازعة إلى كمالاتها لا جرم كان من شأن كونهم على هذا التركيب المخصوص أن يبدّل أكثرهم عهد اللَّه سبحانه إليهم من الدوام على عبادته والاستقامة على صراطه المستقيم ، وعدم الانقياد لعبادة الشيطان ، كما قال سبحانه : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [ سورة يس : 60 ] . وأن يجهلوا حقّه للغفلة بحاضر لذّاتهم عمّا يستحقّه من دوام الشكر ، وأن يتخذوا الأنداد معه لنسيانهم العهد القديم ، وأن يجتذبهم عن معرفته الَّتي هي ألذّ ثمار الجنّة ، وأن تقطعهم عن عبادته الَّتي هي المرقاة إلى اقتطاف تلك الثّمرة ، ولمّا كان من شأنهم ذلك وجب في الحكمة الإلهيّة أن يختصّ صنفا منهم بكمال أشرف يقتدر معه أبناء ذلك الصنف على ضبط الجوانب المتجاذبة ، وعلى تكميل الناقصين ممّن دونهم ، وهم صنف الأنبياء عليهم السّلام ( والغاية منهم ما أشار إليه ) بقوله : « ليستأدوهم ميثاق فطرته » ، أي ليبعثوهم على أداء ما خلقوا لأجله وفطروا عليه من الإقرار بالعبوديّة للَّه ، ويجذبوهم عمّا التفتوا إليه من اتّباع الشّهوات الباطلة ( الباطنة ) واقتناء اللَّذات الوهميّة الزائلة ، وذلك البعث والجذب تارة يكون بتذكيرهم نعم اللَّه الجسميّة وتنبيههم على شكر ما أولاهم به من مننه العظيمة ، وتارة يكون بالترغيب فيما عنده ( عقده ) سبحانه
--> ( 123 ) قوله : فنودي يومئذ . انظر تعليقتنا الرقم : 97 .