السيد حيدر الآملي

287

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( في قوى الإنسان باطنيّة وظاهريّة ) وقوله : « فمثلت إنسانا » . إشارة إلى الصّورة المجبولة ، وفيه لطيفة وهي أنّها إنّما كانت إنسانا بنفخ الروح فيها ، ولذلك رتّب صيرورتها إنسانا بالفاء على نفخ الروح فيها . وقوله : « ذا أذهان يجليها » ، إشارة إلى ما للإنسان من القوى الباطنة المدركة والمتصرّفة ، ومعنى إجالتها تحريكها وبعثها في انتزاع الصّور الجزئيّة كما للحسّ المشترك ، أو المعاني الجزئيّة كما للوهم . وقوله : « وفكر يتصرّف بها » . إشارة إلى القوى المفكّرة في آحاد النوع الإنساني وتصرّفها في تفتيش الخزانتين وتركيب بعض مودوعاتها ببعض وتحليلها . وقوله : « وجوارح يختدمها » . إشارة إلى عامّة الأعضاء الَّتي بيّنا أنّها كلَّها خدم للنفس ، والأدوات الَّتي تقبّلها ( تقلَّبها ) من تلك الأدوات يشبه ان يختص بالأيدي كقوله تعالى : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْه ِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [ سورة الكهف : 42 ] . ويمكن أن يكون أعمّ من ذلك كالبصر والقلب لقوله عليه السّلام : « يا مقلَّب القلوب والأبصار » ( 121 ) . فيصدق عليها اسم التقليب .

--> ( 121 ) قوله : يا مقلَّب القلوب . روى السيّد الجليل ابن طاوس في كتابه ( فلاح السائل ) في ذكر ما يقرأ في نوافل الزّوال ص 128 ، باسناده عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : اقرأ في صلاة الزوال . . . إلى أن قال عليه السّلام : فإذا فرغت قلت ( فقل ) سبع مرّات : اللَّهم مقلَّب القلوب والأبصار ، ثبت قلبي على دينك ودين نبيّك ، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب ، وأجرني من النّار برحمتك . عنه البحار ج 87 ، ص 57 ، الحديث 11 . هذا ما يقرأ بعد الفراغ عن نوافل الصلاة الظهر ، وأمّا ما يقال له : دعاء الغريق فهو ما يلي : روى الصدوق ( ره ) في ( كمال الدّين ) باب 34 ، ج 2 ، ص 20 ، الحديث 50 ، باسناده عن عبد اللَّه بن سنان ، عن الإمام الصادق عليه السّلام ، قال : شبهة سيصيبكم فتبقون بلا علم يرى ، وإمام هدى ، ولا ينجو منها إلَّا من دعا بدعاء الغريق ، قلت : كيف دعاء الغريق ؟ قال : تقول : « يا اللَّه يا رحمن يا رحيم ، يا مقلَّب القلوب ثبّت قلبي على دينك » ، فقلت : « يا مقلَّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك » فقال : إنّ اللَّه عزّ وجلّ مقلَّب القلوب والأبصار ولكن قل كما أقول : يا مقلَّب القلوب ثبّت قلبي على دينك . أقول : نستفيد من هذا الحديث توقيفيّة الأدعية الَّتي رويت قراءتها في الأوقات أو الحالات أو الأمكنة الخاصّة ، أي يجب أن نلتزم في القراءة بالألفاظ المأثورة بلا زيادة ونقصان . تلاحظ الآيات التالية أنّها تبيّن لنا : انّه سبحانه وتعالى مقلَّب القلوب والأبصار إلى الهداية تارة وإلى الظلالة أخرى وتبيّن أيضا إنّه تعالى لما ذا يقلَّب القلوب وكيف يقلَّب . ومعنى تقليبه تعالى الإنسان للظلالة : عدم هدايته بالهداية الرحيميّة ، أي سلبه الهداية الرّحيميّة الَّتي تختصّ للمؤمنين والمتّقين ، ولمن اهتدى إلى هدايته الرحمانيّة الَّتي تشمل الناس قاطبة ، وهذا يعني إغلاق أبواب الهداية الثانويّة الكفائيّة والوهبيّة في وجه من يريد عدم هدايته ، وسلب توفيق وصوله إليها . وأمّا الآيات فهي : * ( إِنَّا هَدَيْناه ُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) * [ سورة الإنسان : 3 ] . * ( فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) * [ سورة الأعراف : 30 ] . * ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّه َ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) * [ سورة العنكبوت : 69 ] . * ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّه ُ أَنْ يَهْدِيَه ُ يَشْرَحْ صَدْرَه ُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه ُ يَجْعَلْ صَدْرَه ُ ضَيِّقاً حَرَجاً ) * [ سورة الأنعام : 125 ] . * ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِه ِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * [ سورة الأنعام : 110 ] . * ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه ُ هَواه ُ وَأَضَلَّه ُ اللَّه ُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِه ِ وَقَلْبِه ِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِه ِ غِشاوَةً ) * [ سورة الجاثية : 23 ] . * ( إِنَّ اللَّه َ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * [ سورة يونس : 44 ] . * ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) * [ سورة آل عمران : 8 ] .