السيد حيدر الآملي

267

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

قد انقضى قبل آدم الَّذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر ( 107 ) . قال بعض العلماء : وهذا لا ينافي حدوث العالم ، فانّه كيف كان لا بدّ من الانتهاء إلى إنسان هو أوّل النّاس ، فأمّا أنّ ذلك الإنسان هو أبونا آدم فلا طريق إلى إثباته إلَّا من جهة السّمع . [ البحث الثالث ] ( في حقيقة سجود الملائكة لآدم ( ع ) ) البحث الثالث : أجمع المسلمون على أنّ سجود الملائكة لآدم لم يكن سجوده عبادة ، لأنّ العبادة لغير اللَّه كفر ، ثمّ اختلفوا على ثلاثة أقوال : الأوّل ، أنّ ذلك السجود كان للَّه وكان آدم كالقبلة ، وكما يحسن أن يقال : سجدوا لآدم ، كذلك يحسن أن يقال : سجدوا للقبلة بدليل قول حسّان بن ثابت ( 108 ) :

--> ( 107 ) قوله : ونقل عن محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام . رواه الصدوق ( رضي ) في « التوحيد » باب ذكر عظمة اللَّه جلّ جلاله الحديث 2 ، ص 277 ، وأيضا رواه في « الخصال » باب ما بعد الألف الحديث 54 ، ص 652 . روي فيهما باسناده عن الإمام الباقر عليه السّلام قال : إنّ اللَّه عزّ وجلّ إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وسكن أهل الجنّة الجنّة ، وأهل النّار النّار ، جدّد اللَّه عالما غير هذا العالم ، وجدّد خلقا ( عالما ) من غير فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحّدونه ، وخلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم ، وسماء غير هذه السّماء وتظلَّهم ، لعلَّك ترى انّ اللَّه عزّ وجلّ إنّما خلق هذا العالم الواحد ، وترى أنّ اللَّه عزّ وجلّ لم يخلق بشرا غيركم ، بل واللَّه لقد خلق اللَّه تبارك وتعالى ألف ألف عام وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميّين . ( 108 ) قوله : حسّان بن ثابت . الرجل هو أبو الوليد حسّان بن ثابت بن المنذر الأنصاري ، أبو الحسام ، شاعر رسول اللَّه ( ص ) ، ومن أصحاب النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وله ديوان ، وكان بيته أحد بيوتات الشعر ، قال دعبل والمبرّد : أعرق النّاس كانوا في الشعر آل حسّان فمنهم يعدّون ستّة في نسق كلَّهم شاعر : سعيد ابن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت بن المنذر بن حرام . انّ العرب قد اجتمعت على أنّ حسّان أشعر أهل المدن وانّه فضل الشعراء بثلاث : كان شاعر الأنصار ، وشاعر النبيّ في أيّامه صلَّى اللَّه عليه وآله ، وشاعر اليمن ، كلَّها في الإسلام . الغدير ج 2 ، ص 63 . كان رسول اللَّه ( ص ) يضع لحسّان منبرا في المسجد يقوم عليه قياما ويفاخر عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، ويقول رسول اللَّه ( ص ) : إنّ اللَّه يؤيّد حسّان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول اللَّه ( ص ) . وقال النبيّ ( ص ) له : إنّ روح القدس معك ما هاجيتهم . المستدرك للحاكم ج 3 ، ص 487 . وفي رجال الكشي ص 181 ، الرقم 84 ، روي عن الإمام الباقر عليه السّلام قال لكميت بن زيد الأسدي : واللَّه يا كميت لو أن عندنا مالا لأعطيناك منه ، ولكن لك ما قال رسول اللَّه ( ص ) لحسّان : لا يزال معك روح القدس ما ذببت عنّا . كان من الأنصار ومتقدّما في الإسلام ، ولد قبل مولد النبيّ القدسيّ ( ص ) بثمان سنين ، وعاش في الجاهليّة ستّين سنة ، وفي الإسلام ستين سنة ، ودعا له النبيّ ( ص ) : « اللَّهم أيّده بروح القدس » . وتوفي سنة أربع وخمسين . تاريخ الإسلام للذهبي ( 41 ه 60 ه ) ص 194 ، المعارف لابن قتيبة ص 312 ، الغدير ج 2 ، ص 65 . له أشعار في بيان ما وقع يوم الغدير ، أنشدها يوم الغدير بين يدي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، رواها سليم بن قيس الهلالي التابعي في كتابه ص 188 ، والشيخ الصدوق ( رضي ) في ( أماليه ) المجلس الرابع والثمانون الحديث 3 ، ص 460 ، باسناده عن أبي سعيد الخدري وذكرها العلَّامة الأميني في ( الغدير ) ج 2 ، ص 39 و 34 ، نقلا عن كتاب ( مرقاة الشعر ) للحافظ المرزباني محمّد بن عمران الخراساني المتوفّى 378 باسناده عن أبي سعيد الخدري ، وأمّا الأبيات فهي : يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ وأسمع بالنبيّ مناديا وقد جاءه جبريل عن أمر ربّه بأنّك معصوم فلا تك وانيا وبلَّغهم ما أنزل اللَّه ربّهم إليك ولا تخش هناك الأعاديا فقام به إذ ذاك رافع كفّه بكفّ عليّ معلن الصوت عاليا فقال : فمن مولاكم ووليّكم ( نبيّكم ) ؟ فقالوا ولم يبدوا هناك تعاميا : إلهك مولانا وأنت وليّنا ( نبيّنا ) ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا فقال له : قم يا عليّ فإنّني رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليّه فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللَّهم وال وليّه وكن للَّذي عادى عليّا معاديا فيا ربّ أنصر ناصريه لنصرهم إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا فانظر أيّها القارئ العزيز انّ هذه الأبيات الَّتي قرئت عند رسول اللَّه ( ص ) تفسير ظاهر للآيات المرتبطة ولما قال النبيّ في الغدير ، أي المراد من : « بلَّغ ما أنزل » والمراد من « مولاه » هو الولاية بمعنى الإمامة والخلافة .