السيد حيدر الآملي

257

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

المشبّه للتلفّع بالثوب ، فاستعار عليه السّلام لفظ التلفّع أيضا وكنّى به عن كمال خضوعهم وانقهارهم تحت سلطان اللَّه وقوّته والمشاهدة في صورة عرشه . فإن قلت : إنّك بيّنت أنّ المراد بالركوع هم حملة العرش فكيف يستقيم مع ذلك أن يقال : إنّ هذا القسم هم حملة العرش أيضا ، فإنّ من كان أقدامهم في تخوم الأرضين ، وأعناقهم خارجة من السّماوات السّبع ، ومن الكرسي والعرش ، كيف يكون مع ذلك راكعا ؟ قلت : الجواب عنه قد سبق في قوله : ومنهم أمناء على وحيه ، فإن الرّكوع أيضا المقصود منه الخشوع لعزّ اللَّه وعظمته وذلك غير مناف للأوصاف المذكورة هاهنا ، وباللَّه التوفيق . قوله : مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزّة وأستار القدرة . إشارة إلى أنّ الآلات البشريّة قاصرة عن إدراكهم والوصول إليهم ، وذلك لتنزّههم عن الجسميّة والجهة وقربهم من عزّة مبدعهم الأوّل جلّ جلاله ، وبعد القوى الإنسانيّة عن الوقوف على أطوارهم المختلفة ومراتبهم المتفاوتة ، وإذا كان الحال في الملك العظيم من ملوك الدنيا إذا بلغ في التّعزز والتعظيم إلى حيث لا يراه إلَّا أجلَّاء خواصّه ، وكان الحال أيضا في بعض خواصّه كذلك كالوزير والحاجب والنديم ، فإنّهم لا يصل إليهم كلّ النّاس بل لا يصل إليهم إلَّا من كانت له إليهم وسيلة تامّة وعلاقة قويّة ، وكان منشأ ذلك إنّما هو عظمة الملك وهيبته وقربهم منه ، فكان الحائل بينهم وبين غيرهم إنّما هو حجب عزّة الملك وأستار قدرته وقهره ، فكيف الحال في جبّار الجبابرة ، ومالك الدنيا والآخرة ، وحال ملائكته المقرّبين ومن يليهم من حملة العرش الروحانيّين ، فبالحريّ أن ينسب عدم وصول قوانا الضعيفة إليهم وإدراكها لمراتبهم إلى حجب عزّة اللَّه وعظمته لهم وكمال ملكه وتمام قدرته وما أهلَّهم له من قربه ومطالعة أنوار كبريائه عزّ سلطانه و ( لا إله إلَّا هو ) ولا إله غيره . قوله : ولا يتوهّمون ربّهم بالتصوير . إشارة إلى تنزيههم عن الإدراكات الوهميّة والخياليّة في حقّ مبدعهم عزّ سلطانه ، إذ كان الوهم إنّما يتعلَّق بالأمور المحسوسة ذات الصور والأحياز والمحالّ الجسمانيّة