السيد حيدر الآملي
239
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
واعلم لمّا ثبت أنّ الوحي وسائر الإضافات ( الإفاضات ) من اللَّه تعالى على عباده إنّما هو بواسطة الملائكة ، كما علمت كيفيّة ذلك ، لا جرم صدق أنّ منهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله إذ كان الأمين هو الحافظ لما كلَّف بحفظه على ما هو عليه ليؤدّيه إلى مستحقّه . وإفاضة الوحي النازل بواسطة الملائكة محفوظة نازلة كما هي مبرّاة عن الخلل الصّادرة عن سهو لعدم معروضات السهو هناك ، أو عن عمد لعدم الدّاعي إليه ، ولقوله تعالى : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ سورة النحل : 50 ] . وأمّا كونهم ألسنة إلى رسله ، فهي استعارة حسنة ، إذ يقال : فلان لسان قومه ، أي المفصح عن أحوالهم والمخاطب عنهم فيطلق عليه اسم اللسان لكونه مفصحا عمّا في النفس ، ولمّا كانت الملائكة وسائط بين الحقّ سبحانه ، وبين رسله في تأدية خطابه الكريم إليهم لا جرم حسن استعارة هذا اللفظ لهم لمكان المشابهة . والمراد هاهنا بالاختلاف : « التّردد بأمر اللَّه » وما قضى به مرّة بعد أخرى ، وبالقضاء : الأمور المقضيّة إذ يقال : هذا قضاء اللَّه أي مقضي اللَّه ، ولا يراد به المصدر فانّ معنى ذلك هو سطر ما كان وما يكون في اللوح المحفوظ بالعلم الإلهي ، وذلك أمر قد فرغ منه ، كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : جفّ القلم بما هو كائن ( 97 ) .
--> ( 97 ) قوله : جفّ القلم بما هو كائن . ورد الحديث بألفاظ مختلفة نشير إلى بعضها فيما يلي : روى القمّي ( رض ) في تفسيره ج 2 ، ص 210 ، في سورة فاطر الآية 45 : * ( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّه ُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ) * ، بإسناده عن السكوني ، عن الإمام الصادق ( ع ) ، عن أبيه الإمام الباقر ( ع ) ، قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : « سبق العلم ، وجفّ القلم ، ومضى القضاء ، وتمّ القدر » ، الحديث . ورواه أيضا الصدوق ( رض ) في « التوحيد » باب المشيّة والإرادة ، الحديث 13 ، ص 343 ، بإسناده عن معاذ بن جبل ، عن النبيّ ( ص ) ، وبإسناده عن عبد اللَّه بن عمر ، عن النبيّ ( ص ) الحديث 10 ، ص 340 . وروى أيضا عن الإمام الصادق ( ع ) أنّه قال : « الصّمت شعار المحقّقين بحقائق ما سبق وجفّ القلم به » . مصباح الشريعة ، الباب السابع والعشرون . وأخرج النسائي في سننه ، باب النهي عن التبتّل ، ج 6 ، ص 59 ، بإسناده عن أبي سلمة ، عن النبيّ ( ص ) ، قال : « جفّ القلم بما أنت لاق » . وأخرج ابن ماجة في سننه ج 1 ، باب في القدر ، ص 35 ، الحديث 89 ، بإسناده عن جابر ، عن رسول اللَّه ( ص ) قال : « ما قدّر لنفس شيء إلَّا هي كائنة » . وفي الحديث 91 ، بإسناده عن سراقة بن جعشم ، قال : قلت : يا رسول اللَّه ! العمل فيما جفّ القلم وجرت به المقادير أم في أمر مستقبل ؟ قال : « بل فيما جفّ به القلم وجرت به المقادير ، وكلّ ميسّر لما خلق له » . وأخرج الترمذي في « الجامع » ج 4 ، ص 667 ، الحديث 2516 ، بإسناده عن ابن عبّاس ، عن النبيّ ( ص ) قال : « واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلَّا بشيء قد كتبه اللَّه لك ، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلَّا بشيء قد كتبه اللَّه على : ، رفعت الأقلام وجفّت الصّحف » . وأخرج ابن داود في سننه ج 2 ، باب ما جاء في العزل ، ص 252 ، الحديث 3 / 2172 ، عن أبا سعيد الخدري ، عن النبيّ ( ص ) قال : « ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّا وهي كائنة » . وأخرج ابن حنبل في مسنده ج 2 ، ص 176 وص 196 ، بإسناده عن عبد اللَّه بن عمر ، عن النبيّ ( ص ) قال : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ خلق خلقه في ظلمة ، ثمّ ألقى عليهم من نوره يومئذ ، فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضلّ فلذلك أقول : جفّ القلم على علم اللَّه عزّ وجلّ » . أقول : وهناك أحاديث أخرى لها مناسبة وعلاقة للمقام وردت في تفسير « القلم » نأتي بطرف منها في ما يلي : روى القمّي ( رض ) في تفسيره في سورة القلم ج 2 ، ص 379 ، بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) قال : إنّ اللَّه خلق القلم من شجرة في الجنّة يقال لها الخلد ، ثمّ قال لنهر في الجنّة كن مدادا فجمد النهر ، وكان أشدّ بياضا من الثلج وأحلى من الشّهد ، ثمّ قال للقلم : اكتب ، قال : وما أكتب يا ربّ ، قال : اكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، فكتب القلم في رقّ أشدّ بياضا من الفضّة وأصفى من الياقوت ، ثمّ طواه فجعله في ركن العرش ، ثمّ ختم على فم القلم فلم ينطق بعد ولا ينطق أبدا ، فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلَّها . وروى الصدوق ( رض ) في « العلل » في حديث بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) قال : « وأمّا ( نون ) فكان نهرا في الجنّة أشدّ بياضا من الثلج وأحلى من العسل ، قال اللَّه تعالى له : كن مدادا فكان مدادا ، ثمّ أخذ شجرة فغرسها بيده ، ثمّ قال : واليد القوّة وليس بحيث تذهب إليه المشبهة ، ثمّ قال لها كوني فلما ، ثمّ قال له : اكتب فقال له : يا ربّ وما أكتب ، قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، ففعل ذلك ، ثمّ ختم وقال : لا تنطقن إلى يوم الوقت المعلوم » . علل الشرائع ، باب 141 ، الحديث 2 ، ص 402 . وروي أيضا في « معاني الأخبار » في حديث بإسناده عن سفيان بن سعيد الثوري ، عن الإمام الباقر ( ع ) قال : « وأمّا ( نون ) فهو نهر في الجنّة قال اللَّه عزّ وجلّ : ( أجمد ) فجمد فصار مدادا ، ثمّ قال عزّ وجلّ للقلم : ( اكتب ) فسطر القلم في اللَّوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، فالمداد مداد من نور ، والقلم قلم من نور ، واللَّوح لوح من نور . وقال سفيان : فقلت له : يا ابن رسول اللَّه : بيّن لي أمر اللَّوح والقلم والمداد فضل بيان ، وعلَّمني ممّا علَّمك اللَّه ، فقال : يا ابن سعيد لولا أنّك أهل للجواب ما أجبتك ، فنون ملك يؤدّي إلى القلم وهو ملك ، والقلم يؤدّي إلى اللَّوح وهو ملك ، واللَّوح يؤدّي إلى إسرافيل ، وإسرافيل يؤدّي إلى ميكائيل ، وميكائيل يؤدّي إلى جبرئيل ، وجبرئيل يؤدّي إلى الأنبياء والرّسل صلوات اللَّه عليهم ، قال : ثمّ قال لي : قم يا سفيان فلا آمن عليك » . معاني الأخبار ، باب معاني الحروف المقطَّعة ، الحديث 1 ، ص 23 . وروي أيضا فيه بإسناده عن إبراهيم الكرخيّ أنّه سأل الإمام الباقر ( ع ) ، عن اللَّوح والقلم ، فقال ( ع ) : « هما ملكان » . معاني الأخبار ، ص 39 ، الحديث 1 ، باب معنى اللَّوح والقلم . وروي أيضا في أماليه المجلس الثاني والخمسون ، ص 261 ، الحديث 2 ، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين ( ع ) في ( حديث ) قال : « وأمّا النّون ، فنون والقلم وما يسطرون ، فالقلم قلم من نور وكتاب من نور في كتاب من نور في لوح محفوظ يشهده المقرّبون وكفى باللَّه شهيدا ، الحديث . ( أقول : لا يخفى على المتأمّل المحقّق أنّ هذه الأحاديث تفسّر بعضها بعضا ، فلهذا نذكر هنا بعضها مع بعض ، فلا تغفل ) . وفي « الدّر المنثور » ج 8 ، ص 241 ، في سورة القلم ، عن معاوية بن قرّة ، عن أبيه ، قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : « * ( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ) * قال : لوح من نور ، وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة » . وفيه أيضا عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : « إنّ أوّل ما خلق اللَّه القلم والحوت ، قال : اكتب ، قال : ما أكتب ؟ قال : كلّ شيء إلى يوم القيامة ، ثمّ قرأ * ( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ) * فالنون الحوت والقلم القلم » . وفيه أيضا عن عبادة بن الصّامت ، ( قال : ) سمعت رسول اللَّه ( ص ) يقول : « إنّ أوّل ما خلق اللَّه القلم ، فقال له : اكتب ، فجرى بما هو كائن إلى الأبد » ، الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ، ص 424 ، الحديث 3319 ، من كتاب تفسير القرآن ، باب 67 في تفسير سورة « ن » . وفي « الدرّ المنثور » أيضا عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللَّه ( ص ) يقول : « إنّ أول شيء خلق اللَّه القلم ، ثمّ خلق النون ، وهي الدّواة ، ثمّ قال له : اكتب ، قال وما أكتب ؟ قال : ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وذلك قوله : * ( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ) * ، ثمّ ختم على في القلم فلم ينطق ، ولا ينطق إلى يوم القيامة ، ثمّ خلق اللَّه العقل ، فقال ، وعزّتي لأكملنّك فيمن أحببت ولأنقصنّك فيمن أبغضت » . هذا وفي المقام روايات أخرى لا بأس بذكرها ، وهي هذه : روى الكليني ( رض ) في الكافي ج 5 ، باب الإجمال في الطَّلب ، الحديث 9 ، ص 81 ، بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) قال : « كان أمير المؤمنين ( ع ) كثيرا ما يقول : « اعلموا علما يقينا ، أنّ اللَّه عزّ وجلّ لم يجعل للعبد وان اشتدّ جهده وعظمت حيلته وكثرت مكابدته أن يسبق ما سمّي له في الذّكر الحكيم ، ولم يحلّ من العبد في ضعفه وقلَّة حيلته أن يبلغ ما سمّي له في الذّكر الحكيم » ، الحديث . راجع أيضا « نهج البلاغة » الحكمة 273 ، و « تحف العقول » ص 155 ، و « التهذيب » ج 6 ، باب المكاسب ، الحديث 4 ، ص 322 . وروى الصدوق ( رض ) في « التوحيد » باب القضاء ، الحديث 3 ، ص 165 ، بإسناده عن عبد الملك بن عنترة الشّيبانيّ ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين ( ع ) فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال ( ع ) : « بحر عميق فلا تلجه » ، قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، فقال ( ع ) : « سرّ اللَّه فلا تكلَّفه ( تتكلَّفه ) » ، قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، فقال أمير المؤمنين ( ع ) : « أمّا إذا أبيت فإنّي سائلك ، أخبرني أكانت رحمة اللَّه للعباد قبل أعمال العباد ، أم كانت أعمال العباد قبل رحمة اللَّه ؟ » ، قال : فقال الرّجل : بل كانت رحمة اللَّه قبل أعمال العباد ، فقال أمير المؤمنين ( ع ) : قوموا فسلَّموا على أخيكم فقد أسلم وقد كان كافرا ، الحديث . وفيه أيضا بإسناده عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قال أمير المؤمنين ( ع ) في القدر : « ألا إنّ القدر سرّ من سرّ اللَّه ، وستر من ستر اللَّه ، وحرز من حرز اللَّه ، مرفوع في حجاب اللَّه ، مطويّ عن خلق اللَّه ، مختوم بخاتم اللَّه ، سابق في علم اللَّه ، وضع اللَّه العباد عن علمه ، ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم لأنّهم لا ينالونه بحقيقة الربّانيّة ولا بقدرة الصمدانيّة ولا بعظمة النورانيّة ولا بعزّة الوحدانيّة ، لأنّه بحر زاخر خالص للَّه تعالى ، عمقه ما بين السّماء والأرض ، عرضه ما بين المشرق والمغرب ، أسود كاللَّيل الدّامس ، كثير الحيّات والحيتان ، يعلو مرّة ويسفل أخرى ، في قعره شمس تضيئ ، لا ينبغي أن يطَّلع إليها إلَّا اللَّه الواحد الفرد ، فمن تطَّلع إليها فقد ضادّ اللَّه عزّ وجلّ في حكمه ونازعه في سلطانه ، وكشف عن ستره وسرّه ، وباء بغضب من اللَّه ومأواه جهنّم وبئس المصير . التوحيد ، ص 383 ، الحديث 32 . وهناك بعض الآيات القرآنية نذكرها مزيدا للفائدة وتطبيقا بين الأحاديث المذكورة وبين هذه الآيات ، فهي هذه : * ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه ُ بِقَدَرٍ وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) * [ سورة القمر : 49 - 50 ] . * ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) * [ سورة القمر : 53 ] . * ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه ُ وَما نُنَزِّلُه ُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * [ سورة الحجر : 21 ] . * ( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّه َ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) * [ سورة لقمان : 28 ] . * ( وَعِنْدَه ُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * [ سورة الأنعام : 59 ] . * ( وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه ُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) * [ سورة يس : 12 ] . * ( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّه ِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * [ سورة هود : 6 ] . * ( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه ِ يَسِيرٌ ) * [ سورة الحديد : 22 ] . * ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) * [ سورة الأعراف : 34 ] . فتأمّل أيّها القارئ العزيز أنّ هذه كلَّها تشتمل على الأمور التكوينيّة وغيرها ممّا هو مرتبط بالإنسان من الأفعال والأرزاق وغيرهما ، وهذا معنى : « فكلّ ميسّر لما خلق له » ، فراجع تعليقنا 69 في الجزء الأوّل ، ولا ينافي هذا كلَّه بأن يصدر أعمالنا وأفكارنا باختيارنا .