السيد حيدر الآملي

208

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

يقال : إنّ وقوفها بقدرة الصانع الحكيم القادر المختار . وإن قلت : قوله تعالى : تَرَوْنَها ، يفهم منه أنّ هناك عمد ولكنّها غير مرئيّة لنا وذلك ينافي سلبه عليه السّلام للعمد مطلقا . قلت : الجواب عنه من وجوه ( 90 ) : أحدها ، أنّه يحتمل أن يكون قوله : ترونها كلاما مستأنفا والتقدير بغير عمد وأنتم ترونها كذلك . الثّاني ، يحتمل أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كما نقل عن الحسن البصري أنّه قال : التقدير ترونها بغير عمد . الثالث ، وهو الألطف ما ذكره الإمام فخر الدّين رحمه اللَّه فقال : إنّ العماد هو ما يعمد عليه والسّماوات متعمدة وقائمة على قدرة اللَّه تعالى فكانت هي العمد الَّتي لا ترى وذلك لا ينافي كلامه عليه السّلام . الرابع ، وهو الأحقّ ما ذكرته وهو أنّه قد ثبت في أصول الفقه : أنّ تخصيص الشيء بحكم لا يدلّ على أنّ حكم غيره بخلاف ذلك الحكم ، فتخصيص العمد المرئيّة للسّماوات بالسلب لا يستلزم ثبوت العمد غير المرئيّة لها . الثالثة الثواقب ، استعارة في الأصل للشهب عن الأجسام الَّتي تثقب جسما آخر وتنفذ فيه ، ووجه المشابهة الَّتي لأجلها سمّي الشهاب ثاقبا لأنّه يثقب بنوره الهواء كما يثقب جسم آخر ( جسما ) لكنّه لكثرة الاستعمال فيه صار إطلاقه عليه حقيقة أو قريبا منها . الرابعة ، قوله : سراجا مستطيرا ، استعارة للشّمس ووجه المشابهة أنّ السّراج القويّ المستطير لمّا كان من شأنه أن يضئ ما حوله وينتشر في جميع نواحي البيت ويهتدي به من الظلمة ، كذلك الشّمس مضيئة لهذا العالم ويهتدي بها المتصرّف فيه .

--> ( 90 ) قوله : الجواب عنه من وجوه . انظر في تلك الوجوه « التفسير الكبير » للفخر الرّازي في سورة الرّعد الآية 2 ، ج 18 ، ص 232 .