السيد حيدر الآملي

201

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

موافقا لمقتضى أدلَّتهم لتأخّر وجودها العناصر عندهم عن وجود السّموات ، لا جرم عدل بعضهم إلى تأويلهما توفيقا بينها وبين مقتضى أدلَّتهم وذكروا من التأويل وجهين : ( في أنّ العالم عالمان : عالم الأمر وعالم الخلق ) الوجه الأول ، قالوا : العالم عالمان : عالم يسمّى عالم الأمر وهو عالم الملائكة الروحانيّة والمجرّدات ، وعالم يسمّى عالم الخلق وهو عالم الجسمانيّة وعلى ذلك حملوا قوله تعالى : ( أَلا لَه ُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) [ سورة الأعراف : 54 ] . ثمّ قالوا : ما من موجود في عالم الجسمانيّات إلَّا وله نسبة إلى عالم الرّوحانيّات ، وهو مثال له بوجه مّا ولولا ذلك لأنسدّ طريق التّرقي إلى العالم الروحانيّ وتعذّر السفر إلى الحضرة الإلهيّة . ثمّ كان من بحثهم أن بيّنوا أنّ قدرة اللَّه سبحانه ترجع إلى كون ذاته عالمة بالكلّ علما هو مبدأ الكلّ مبدئيّة بالذّات غير مأخوذة عن شيء ولا متوقفة على وجود شيء ، ثمّ لمّا دلّ دليلهم على أنّ رتبة صدور عالم الأمر أعلى في الوجود وأسبق نسبته إلى قدرة المبدع الأول من عالم الخلق إذ كان صدور عالم الخلق إنّما هو بواسطة عالم الأمر كان اعتبار إيجاد عالم الأمر عن القدرة أمرا أوّلا وإيجاد عالم الخلق عنها أمرا ثانيا متأخّرا عنه ، فعند ذلك قالوا : إنّ الَّذي أشار إليه عليه السّلام هاهنا موافق لما أصّلناه ومناسب له ، وذلك أنّه أشار بالأجواء والأرجاء وسكائك الهواء إلى سلسلة وجود الملائكة المسمّاة بالعقول الفعّالة على مراتبها متنازلة ، وبإنشائها إلى إيجادها ، وبفتقها وشقّها إلى وجودها ، وبالماء المتلاطم المتراكم إلى الكمالات الَّتي وجبت عنه سبحانه ، وبإجرائه فيها إلى إفاضته على كلّ واحد منها ما استحقّه بواسطة ما قبله ، وبالرّيح العاصف إلى الأمر الأوّل الَّذي أشرنا إليه عن القدرة . وأمّا وجه المناسبة بين هذه الأمور وبين ما ذكره ، فأمّا في التعبير عن العقول بالأرجاء والأجواء والسّكائك فمن جهة أنّها قابلة للفيض والكمالات عن مبدئها الأوّل كما أنّ الأرجاء والأجواء وسكائك الهواء قابلة للماء عمّا يخرج عنه من سحاب