السيد حيدر الآملي
177
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وجه الماء فانّها تميل من جانب إلى جان وتتحرّك ، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة فيها استقرّت على وجه الماء وسكنت ، قالوا فكذلك لمّا خلق اللَّه تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت ، فخلق اللَّه عليها الجبال ووتدها بها فاستقرّت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال . قال الإمام فخر الدّين : ويتوجّه على هذا الكلام أن يقال : لا شكّ أنّ الأرض أثقل من الماء ، والأثقل يغوص فيه ولا يبقى طافيا عليه ، وإذا لم يبق كذلك امتنع أن يقال : إنّها تميد وتميل بخلاف السفينة إذ كانت مركّبة من الأخشاب ، وداخلها مجوّف مملوء من الهواء فلذلك تبقى طافية على الماء فلا جرم تميل وتضطرب إلى أن ترسي بالأجرام الثقيلة فإذن الفرق ظاهر . الوجه الثّاني ما ذكره هو قال : إنّه قد ثبت بالدلائل اليقينيّة أنّ الأرض كرة ، وثبت أيضا أنّ هذه الجبال على سطح الأرض جارية مجرى خشونات وتضريسات حاصلة على وجه الكرة ، فإذا ثبت هذا فلو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت الأرض كرة حقيقيّة خالية عن الخشونات والتضريسات لصارت بحيث تتحرّك بالاستدارة بأدنى سبب ، لأنّ الجرم البسيط المستدير يجب كونه متحرّكا على نفسه وإن لم يجب ذلك عقلا إلَّا أنّها تصير بأدنى سبب تتحرّك على هذا الوجه ، أمّا إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال فكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة ، فكلّ واحد من هذه الجبال إنّما يتوجّه بطبعه إلى مركز العالم وتوجّه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوّته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الَّذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة وكان تخليق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المعدودة في الكرة المانعة من الحركة المستديرة . الوجه الثالث ، ان نقول : لما كانت فائدة الوتد أن يحفظ الموتود في بعض المواضع