السيد حيدر الآملي
165
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وفي تخصيصه عليه السّلام : القائلين ، دون المادحين بالذّكر نوع لطف ، فإنّ القائل لمّا كان أعمّ من المادح ، وكان سلب العامّ مستلزما لسلب الخاصّ من غير عكس كان ذكر القائلين أبلغ في التنزيه ، إذ التقدير : لا واحد من القائلين ببالغ مدحه اللَّه سبحانه . ( الإنسان لا يتمكّن حصر نعم اللَّه تعالى ) قوله : « ولا يحصى نعماءه العادّون » . أقول : المراد أنّ جزئيّات نعم اللَّه وأفرادها لا يحيط بها حصر الإنسان وعدّة لكثرتها ، وبيان هذا الحكم بالنّقل والعقل : أمّا النقل فقوله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّه ِ لا تُحْصُوها [ سورة إبراهيم : 34 ] . وهذه الآية هي منشأ هذا الحكم ومصدره . وأمّا العقل ، فلأنّ نعم اللَّه تعالى على العبد ، منها ظاهرة ، ومنها باطنة ، كما قال تعالى : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [ سورة لقمان : 20 ] . ويكفينا في صدق هذا الحكم ، التّنبيه على بعض جزئيّات نعم اللَّه تعالى على العبد ، فنقول : إنّ من جملة نعمه تعالى على الإنسان أن أكرمه بملائكته وجعله مسجودا لهم ومخدوما ، وجعلهم في ذلك على مراتب ، فلنذكر أقربهم إليه وأخصّهم به ، وهم الملائكة الَّذين يتولَّون إصلاح بدنه والقيام بمهمّاته وحوائجه وإن كانوا في ذلك أيضا على مراتب ، فجعل سبحانه لهم رئيسا هو له كالوزير النّاصح المشفق ، من شأنه تمييز الأصلح والأنفع له والأمر به ، وجعل بين يدي ذلك الوزير ملكا آخر هو كالحاجب له والمتصرّف بين يديه ، من شأنه تمييز صداقة الأصدقاء للملك من عداوة الأعداء له ، وجعل لذلك الحاجب ملكا خازنا يضبط عنه ما يتعرّفه من الأمور ليطالعها الوزير