السيد حيدر الآملي

151

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( صفة خلق آدم عليه السّلام ) ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها ، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت ، ولاطها بالبلَّة حتّى لزبت ، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول ، وأعضاء وفصول ، أجمدها حتّى استمسكت ، وأصلدها حتّى صلصلت لوقت معدود وأجل ( أمد ) معلوم ، ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرّف بها ، وجوارح يختدمها وأدوات يقلَّبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحقّ والباطل ، والأذواق والمشامّ ، والألوان والأجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة ، من الحرّ والبرد ، والبلَّة والجمود ، واستأدى اللَّه سبحانه والملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيّته إليهم ، في الإذعان بالسّجود له ، والخنوع لتكرمته ، فقال سبحانه : اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [ سورة البقرة : 34 ] . وقبيله ، اعترتهم الحميّة وغلبت عليهم ( اعترته الحميّة ، وغلبت عليه ) الشّقوة ، وتعزّز بخلقه النّار ، واستوهن خلق الصّلصال ، فأعطاه اللَّه النّظرة استحقاقا للسّخطة ، واستتماما للبليّة ، وإنجازا للعدة ، فقال : فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [ سورة الحجر : 38 ] . ثمّ اسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه ، وآمن فيها محلَّته ، وحذّره إبليس وعداوته ، فاغترّه عدوّه نفاسة عليه بدار المقام ، ومرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكّه ، والعزيمة بوهنه ، واستبدل بالجذل وجلا ، وبالاغترار ندما . ثمّ بسط اللَّه سبحانه له في توبته ، ولقّاه كلمة رحمته ، ووعده المردّ إلى جنّته ، وأهبطه إلى دار البليّة ، وتناسل الذّريّة .