السيد حيدر الآملي

140

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ألف فرسخ ، وكوّن لهم سور حديد ( سورا من حديد ) يقطع الأرض إلى السّماء ، فأسكن الفرقة الأخرى فيها ، لا يعلم أهل باجرشا ( جابرسا ) بأهل أهل جابلقا ( بموضع أهل جابلقا ) ، ولا يعلم أهل باجلقا بموضع أهل باجرشا ، ولا يعلم ( بهم أهل ) أوسط الأرض من الجنّ والنّساس من مكانهما ، ولا يعلم أهل مدينتين بموضع أهل أوسط الأرض من الجنّ والنّساس . فكانت الشّمس تطلع على أهل أوسط الأرض من الجنّ والنّسناس دون المدينة الَّتي في ناحية المشرق وهي تجري فتمرّ على أهل أوسط الأرض من الجنّ فينتفعون بحرّها ويستضيئون بنورها ، ثمّ تغرب في عين حامية ( حمئة ) تجري دون المدينة الَّتي ممّا تلي المعرب ، فلا يعلم بها أهل باجرشا إذا اطلعت ، ( لأنها تطلع من دون جابرسا ، وتغرب من دون جابلقا ) ، ولا يعلم بها أهل باجلقا إذا غربت . قال : فقلنا : يا أمير المؤمنين فكيف يبصرون ويذهبون ويجيئون ، ( ويحيون ) ؟ وكيف يأكلون ويشربون ؟ ، وليس تطلع عليهم الشّمس ؟ . فقال صلوات اللَّه عليه : إنّهم يستضيئون بشعاع نور اللَّه فهم في أشدّ ضوء من نور الشّمس في ضحاها لا يعرفون ، ( ولا يرون أن اللَّه تعالى خلق ) شمسا ولا قمرا ولا نجوما ولا كواكب ولا خلق خلقا غيرهم ، ( ولا يعرفون شيئا غيره ) . فقيل : يا أمير المؤمنين ! فأين إبليس عنهم ؟ قال : ما ( لا ) يعرفون إبليس ، ولا سمعوا بذكره ، ولا يرون انّ اللَّه خلقه ، لا يعرفون إلَّا اللَّه وحده لا شريك له ، لم يكتسب أحد منهم خطيئة قطَّ ، ولم يعرفوا بها ، ( ولم يقترف إثما ) لا يهرمون ولا يسقمون ولا يموتون ( يعبدون اللَّه ) إلى يوم القيامة لا يفترون ، الليل والنّهار عندهم سواء . ثمّ قال عليه السّلام ( 60 ) : لمّا أحبّ أن يخلق خلقا بيده ، وذلك بعد ما مضى للجنّ

--> ( 60 ) قوله : قال علي ( ع ) : لمّا أحبّ . روى من هذا الموضع الصدوق في العلل وعلي بن إبراهيم القمي في التفسير إلى آخر الخطبة كما أشرنا بهما سابقا . قال الصدوق في كتابه العلل ، باب 96 ، الحديث 1 ، ص 104 : حدّثنا محمّد بن الحسن قال : حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن جابر ، عن أبي جعفر ( ع ) قال : قال أمير المؤمنين ( ع ) : انّ اللَّه تبارك وتعالى لمّا أحبّ الحديث ، ولمّا كان اختلاف النسخة أو النقل في النقل الصدوق مع نقل الخطيب والسيّد المؤلف ، قليلا جدا ، اكتفينا بالإشارة في بين الهلالين ، إلى مواضع الاختلاف . ورواه أيضا القمي في تفسيره ج 1 في سورة البقرة ذيل الآية 30 : * ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) * [ البقرة : 30 ] . بسند آخر كما يلي : حدثني أبي ، عن الحسن بن محبوب ، عن عمرو بن ( أبي ) مقدام ، عن ثابت الحذاء ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن آبائه ( ع ) ، عن أمير المؤمنين ( ع ) قال : انّ اللَّه تبارك وتعالى أراد أن يخلق خلقا بيده ، وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة وكان من شأنه خلق آدم كشط عن أطباق السّموات ، قال للملائكة : انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجنّ والنسناس ، فلمّا رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدّماء والفساد في الأرض بغير الحق ، عظم ذلك عليهم وغضبوا وتأسّفوا على أهل الأرض ولم يملكوا عضبهم فقالوا : ربّنا أنت العزيز القادر الجبّار القاهر العظيم الشأن ، وهذا خلقك الضيف الذليل يتقلبون في قبضتك ، ويعيشون برزقك ، ويستمتعون بعافيتك ، وهم يعصون بمثل هذه الذّنوب العظام لا تأسّف عليهم ، ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى ، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك ، قال : فلمّا سمع ذلك من الملائكة : « قال إنّي جاعل في الأرض خليفة » يكون حجّة في أرضي على خلقي ، فقالت الملائكة : « سبحانك أتجعل فيها من يفسد فيها » كما أفسد بنو الجانّ ويسفكون الدّماء ، كما سفك بنو الجانّ ، ويتحاسدون ويتباغضون ، فاجعل ذلك الخليفة منّا فإنّا لا نتحاسد ، ولا نتباغض ، ولا نسفك الدّماء ونسبح بحمدك ونقدّس لك ، قال جلّ وعزّ : « إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » إنّي أريد أن أخلق خلقا بيدي ، واجعل من ذريّته أنبياء ، ومرسلين ، وعبادا صالحين ، وأئمّة مهتدين ، أجعلهم خلفاء على خلقي في أرضي ينهون عن معصيتي ، وينذرونهم من عذابي ، ويهدونهم إلى طاعتي ، ويسلكون بهم طريق سبيلي ، وأجعلهم لي حجّة عليهم ( عذرا ونذرا ) وأبيد النسناس من أرضي واطهّرها منهم ، وأنقل مردة الجن العصاة من بريّتي وخلفي وخيرتي ، واسكّنهم في الهواء في أقطار الأرض فلا يجاورون نسل خلقي ، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا فلا يرى نسل خلقي الجنّ ، ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم ، فمن عصاني من نسل خلقي الَّذين اصطفيتهم وأسكنهم مساكن العصاة وأوردتهم مواردهم ولا أبالي . قال : فقالت الملائكة : يا ربّنا افعل ما شئت « لا علم لنا إلَّا ما علَّمتنا انّك أنت العليم الحكيم » قال : فباعدهم اللَّه من العرش مسيرة خمسمائة عام ، قال : فلاذوا بالعرش وأشاروا بالأصابع ، فنظر الرّبّ جلّ جلاله إليهم ، ونزلت الرّحمة فوضع لهم البيت المعمور ، فقال : طوفوا به ، ودعوا العرش فإنّه لي رضا ، فطافوا به وهو البيت الَّذي يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون أبدا ، فوضع اللَّه البيت المعمور توبة لأهل السّماء ، ووضع الكعبة توبة لأهل الأرض ، فقال اللَّه تبارك وتعالى : * ( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ُ ساجِدِينَ ) * [ سورة الحجر : 28 - 29 ] . قال : وكان ذلك من اللَّه تعالى في آدم قبل أن يخلقه واحتجاجا منه عليهم . قال : فاغترف ربّنا عزّ وجلّ بيمينه من الماء العذب الفرات ، وكلتا يديه يمين ، فصلصلها في كفّه حتّى جمدت ، فقال لها : منك أخلق النبيّين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمّة المهتدين والدعاة إلى الجنّة وأتباعهم إلى يوم القيامة ، ولا أبالي ولا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون . ثمّ اغترف غرفة أخرى من الماء المالح الأجاج فصلصلها في كفّه فجمدت ، ثمّ قال لها : منك اخلق الجبارين والفراعنة والعتاة واخوان الشياطين والدّعاة إلى النار إلى يوم القيامة وأشياعهم ، ولا أبالي وأسأل عمّا أفعل وهم يسألون . قال : وشرطه في ذلك البداء فيهم ، ولم يشترط في أصحاب اليمين ، ثمّ خلط المائين جميعا في كفّه فصلصلها ثمّ ( كفأهما ) كفهما قدام عرشه وهما سلالة من طين ثمّ أمر اللَّه الملائكة الأربعة الشمال والجنوب والصّبا والدّبور ان يجولوا على هذه السلالة من الطين فأمروها ( فأبدوها ) وأنشئوها ثمّ انزوها ( أبروها ) وجزّوها وفصّلوها ، وأجروا فيها الطبائع الأربعة الرّيح والدّم والمرّة والبلغم ، فجالت الملائكة عليها وهي الشمال والجنوب والصبا والدبور واجروا فيها الطبائع الأربعة ، فالريح في الطبائع الأربعة من البدن من ناحية الشمال ، والبلغم في الطبائع الأربعة من ناحية الصبا ، والمرّة في الطبائع الأربعة من ناحية الدبور ، والدّم في الطبائع الأربعة من ناحية الجنوب . قال : فاستقلَّت النّسمة وكمل البدن ، فلزمه من ناحية الريح حبّ النساء وطول الأمل والحرص ، ولزمه من ناحية البلغم حبّ الطعام والشراب والبرّ والحلم والرفق ، ولزمه من ناحية المرّة الحبّ والغضب والسفه والشيطنة والتحير والتمرّد والعجلة ، ولزمه من ناحية الدّم حبّ الفساد واللَّذّات وركوب المحارم والشّهوات ، قال أبو جعفر ( ع ) : وجدنا هذا في كتاب أمير المؤمنين ( ع ) . وعنه البحار ج 11 ، ص 103 ، الحديث 10 .