السيد حيدر الآملي
132
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [ سورة لقمان : 14 ] . ( في بيان الشكر للَّه سبحانه وللوالدين ) فقد تبين لك أيّها الولي ! آباؤك وأمّهاتك من هم إلى أقرب أب لك ، وهو الَّذي ظهر عينك به ، وأمّك ، كذلك القريبة إليك إلى الأب الأوّل وهو الجد الأعلى إلى ما بينهما من الآباء والأمهات ، فشكرهم الَّذي يسرّون به ويفرحون بالثناء عليهم هو أن تنسبهم إلى مالكهم وموجدهم وتسلب الفعل عنهم وتلحقه بمستحقه الَّذي هو خالق كلّ شيء ، فإذا فعلت هذا فقد أدخلت سرورا على آبائك بفعلك ذلك ، وإدخال هذا السّرور عليهم هو عين برّك بهم وشكرك إيّاهم ، وإذا لم تفعل هذا ونسيت اللَّه فيهم فما شكرتهم ولا امتثلت أمر اللَّه في شكرهم ، فإنّه تعالى قال : أَنِ اشْكُرْ لِي ، فقدّم نفسه ليعرفك أنّه السّبب الأوّل والأولى ، ثمّ عطف وقال : وَلِوالِدَيْكَ ، وهي الأسباب الَّتي أوجدك اللَّه عندها لتنسبها إليه سبحانه ويكون لها عليك فضل التقدّم بالوجود خاصّة لا فضل التأثير ، لأنّه في الحقيقة لا أثر لها وإن كانت أسبابا لوجود الآثار ، فبهذا القدر صح لها الفضل وطلب منك الشكر لها ، وأنزلها الحق لك وعندك منزلته في التقدّم عليك لا في الأثر ليكون الثّناء بالتقدّم والتأثير للَّه تعالى وبالتقدّم والتوقّف للوالدين ولكن على ما شرطناه : فلا تشرك بعبادة ربّك أحدا . فإذا أثنيت على اللَّه تعالى وقلت : ربّنا وربّ آبائنا العلويات وأمهاتنا السفليات فلا فرق أن أقولها أنا ، أو يقولها جميع بني آدم من البشر ، فلم نخاطب شخصا بعينه حتّى نسوق آباءه وأمّهاته من آدم وحواء إلى زمانه ، وإنّما القصد هذا النشوء الإنساني ، فكنت مترجما عن كلّ مولود بهذا التحميد من عالم الأركان وعالم الطبيعة والإنسان ، ثمّ نرتقي في النيابة به عن كلّ مولود بين مؤثّر ومؤثّر فيه ، فنحمده بكل لسان ، ونتوجّه إليه بكل وجه فيكون الجزاء لنا من عند اللَّه من ذلك المقام الكلّ .