السيد حيدر الآملي
123
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فخطَّ القلم في اللوح ما يلي عليه الحق وهو علمه في خلقه الَّذي يخلق إلى يوم القيامة . فكان بين القلم واللوح نكاح معنوي معقول ، وأثر حسّي مشهود ، ومن هنا كان العمل بالحروف المرقومة عندنا ، وكان ما أودع في اللوح من الأثر مثل الماء الدافق الحاصل في رحم الأنثى ، وما ظهر من تلك الكتابة من المعاني المودعة في تلك الحروف الجرمية بمنزلة أرواح الأولاد المودعة في أجسامهم ، فافهم ، واللَّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . وجعل الحقّ في هذا اللوح العاقل عن اللَّه ما أوحى به إليه ، المسبّح بحمده الَّذي لا يفقه تسبيحه إلَّا من أعلمه اللَّه به وفتح سمعه لما يورده كما فتح سمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، ومن حضر من أصحابه لإدراك تسبيح الحصى في كفّه الطَّاهرة الطَّيّبة صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإنّما قلنا : فتح سمعه ، إذ كان الحصى ما زال مذ خلقه اللَّه مسبّحا بحمده ، فكان خرق العادة في الإدراك السّمعي لا فيه . ثمّ أوجد فيه صفتين : صفة علم ، وصفة عمل ، فبصفة العمل تظهر صور العالم عنه كما تظهر صورة التّابوت للعين عند عمل النجّار ، فبها يعطي الصّور ، والصّور على قسمين : صور ظاهرة حسّيّة وهي الأجرام وما يتّصل بها حسّا ، كالأشكال والألوان ، ( والأكوان ) ، وصور باطنة معنويّة غير محسوسة وهي ما فيها من العلوم والمعارف والإرادات وبتينك الصفتين ظهر ما ظهر من الصّور ، فالصّفة العلَّامة أب ، فإنّها المؤثّرة ، والصّفة العاملة أمّ ، فإنّها المؤثّر فيها ، وعنها ظهرت الصّور الَّتي ذكرناها .