السيد حيدر الآملي

434

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وأما قول الرسول ( ص ) ، فقوله : « إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي من أهل بيتي ، حبلان متّصلان لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ما إن تمسّكتم بهما لن تضلَّوا أبدا » ( 112 ) .

--> ( 112 ) قوله : وأمّا قول الرّسول ( ص ) فقوله ( ص ) : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي الحديث . الحديث مرويّ عن النبيّ ( ص ) متواترا بل فوق التواتر ، وأنّه ( ص ) قاله في مواضع عديدة بألفاظ متفرقة ، رواه أكابر علماء الإسلام من المحدثين والمفسّرين وغيرهم من العامّة والخاصّة مسندا ومرسلا وبطرق كثيرة عن عدّة من الصحابة رضي اللَّه عنهم وعن طريق أهل البيت ( ع ) في كتبهم المختلفة كثيرا ، فإنّ الحديث ثابت عند المسلمين ومتسالم عليه لدى علمائهم وهو من أعرف الأحاديث التي صدرت منه ( ص ) ، ومن الموارد الَّتي صدرت منه ( ص ) هذا الحديث : يوم عرفة على ناقته القصوى ، وفي مسجد خيف ، وفي خطبة يوم الغدير في حجّة الوداع ، ويوم قبض في خطبته على المنبر ، هذا ونذكر هاهنا أمور : الأوّل ، أسامي أصحاب النبيّ ( ص ) الذين يروون الحديث عنه ( ص ) . الثاني ، لفظ الحديث عن بعض المصادر . الثالث ، بعض ما يستفاد منه من الحقائق . أمّا الأمر الأوّل ، أسامي رواة حديث الثقلين عن النبيّ ( ص ) على ما في أسانيده المنقولة هكذا : 1 - علي بن أبي طالب ( ع ) ، 2 - فاطمة الزهراء ( ع ) بنت رسول اللَّه ( ص ) ، 3 - الحسن بن علي ( ع ) ، 4 - سلمان الفارسي ، 5 - أبو ذر الغفاري ، 6 - ابن عباس ، 7 - جابر بن عبد الله الأنصاري ، 8 - أبو سعيد الخدري ، 9 - زيد بن ثابت ، 10 - زيد بن أرقم ، 11 - ثابت ، 12 - زيد بن ثابت ، 13 - حذيفة بن أسيد الغفاري ، 14 - أبو هريرة ، 15 - أمّ هانئ ، 16 - أبو رافع ، 17 - جبير بن مطعم ، 18 - أنس بن مالك ، 19 - ابن أبي الدّنيا ، 20 - عبد اللَّه بن حنطب ، 21 - حمزة الأسلمي ، 22 - عبد بن حميد ، 23 - أمّ سلمة ، 24 - محمّد بن فلاد ، 25 - أبو الهيثم بن التيهان ، 26 - حذيفة بن اليمان ، 27 - خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، 28 - البراء بن عازب ، 29 - طلحة بن عبيد اللَّه التميمي ، 30 - عبد الرّحمن بن عوف ، 31 - سعد بن أبي وقّاص ، 32 - عمرو بن العاص ، 33 - سهل بن سعد ، 34 - عدي بن حاتم ، 35 - عقبة بن عامر ، 36 - أبو أيّوب الأنصاري ، 37 - أبو شريح الخزاعي ، 38 - أبو قدامة الأنصاري ، 39 - أبو ليلى الأنصاري ، 40 - ضميرة الأسلمي ، 41 - عامر بن ليلى بن ضمرة . وأمّا الأمر الثاني ، فروى الصدوق في أماليه ص 338 ، الحديث 15 ، من المجلس الرابع والستّين ، عن الحسن بن علي بن شعيب الجوهري ، عن عيسى بن محمد العلوي ، عن أبي عمرو أحمد بن أبي حازم الغفاري ، عن عبيد اللَّه بن موسى ، عن شريك ، عن الركين بن الربيع ، عن القاسم بن حسان ، عن زيد بن ثابت قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي ، ألا وهما الخليفتان من بعدي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . وأيضا في كتابه الخصال باب الاثنين الحديث 98 ، ص 65 ، عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، عن محمد بن الحسن الصفّار ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، ويعقوب بن يزيد جميعا ، عن محمد بن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن معروف بن خرّبوذ ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري ، قال : لمّا رجع رسول اللَّه ( ص ) من حجّة الوداع ، ونحن معه ، أقبل حتّى انتهى إلى الجحفة فأمر أصحابه بالنزول فنزل القوم منازلهم ، ثمّ نودي بالصلاة فصلَّى بأصحابه ركعتين ، ثمّ أقبل بوجهه إليهم فقال لهم : إنّه قد نبّأني اللطيف الخبير : إنّي ميّت وأنكم ميتون ، وكأنّي قد دعيت فأجبت ، وإنّي مسؤول عمّا أرسلت به إليكم ، وعمّا خلَّفت فيكم من كتاب اللَّه وحجّته ، وأنّكم مسؤولون ، فما أنتم قائلون لربّكم ؟ قالوا : نقول : قد بلَّغت ونصحت وجاهدت ، فجزاك اللَّه عنّا أفضل الجزاء ، ثمّ قال لهم : ألستم تشهدون أن لا إله إلَّا اللَّه ، وأنّي رسول اللَّه إليكم ، وأنّ الجنّة حقّ ، وأنّ النّار حق ، وأنّ البعث بعد الموت حقّ ؟ فقالوا : نشهد بذلك ، قال : اللَّهمّ اشهد على ما يقولون ، ألا وإنّي أشهدكم أنّي أشهد أنّ اللَّه مولاي ، وأنا مولى كلّ مسلم ، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فهل تقرّون لي بذلك ، وتشهدون لي به ؟ فقالوا : نعم نشهد لك بذلك ، فقال : ألا من كنت مولاه فإنّ عليّا مولاه ( فعلي مولاه ) وهو هذا ، ثمّ أخذ بيد عليّ ( ع ) فرفعها مع يده حتّى بدت آباطهما : ثمّ قال : اللهمّ وال من ولاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، ألا وإنّي فرطكم وأنتم واردون عليّ الحوض ، حوضي غدا وهو حوض عرضه ما بين بصري وصنعاء فيه أقداح من فضّة عدد نجوم السماء ، ألا وإنّي سائلكم غدا ما ذا صنعتم فيما أشهدت اللَّه به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم عليّ حوضي ، وما ذا صنعتم بالثقلين من بعدي فانظروا كيف تكونون خلفتموني فيهما حين تلقوني ؟ قالوا : وما هذان الثقلان يا رسول اللَّه ؟ قال : أمّا الثقل الأكبر فكتاب اللَّه عزّ وجلّ سبب ممدود من اللَّه ومنّي في أيديكم ، طرفه بيد اللَّه والطرف الآخر بأيديكم ، فيه علم ما مضى وما بقي إلى أن تقوم الساعة ، وأمّا الثقل الأصغر فهو حليف القرآن وهو عليّ بن أبي طالب وعترته ( ع ) ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . وأيضا فيه الحديث 97 عن الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري ، عن محمّد بن حمدان القشيريّ ، عن المغيرة بن محمّد بن المهلَّب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن داود ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطيّة العوفيّ ، عن أبي سعيد الخدريّ قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إنّي تارك فيكم أمرين أحدهما أطول من الآخر كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي ، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فقلت لأبي سعيد : من عترته ؟ قال : أهل بيته . وأيضا روى الصدوق في كتابه معاني الأخبار ص 91 ، الحديث 5 ، عن أحمد بن الحسن القطَّان ، عن الحسن بن علي بن الحسين السكريّ ، عن محمّد بن زكريّا الجوهريّ ، عن جعفر بن محمد بن عمارة ، عن أبيه ، عن الصادق جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليّ ، عن أبيه علي بن أبي طالب ( ع ) قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إنّي مخلف فيكم الثقلين : كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض كهاتين ، وضمّ بين سبّابتيه ، فقام إليه جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ، فقال : يا رسول اللَّه ! ومن عترتك ؟ قال : عليّ ، والحسن ، والحسين ، والأئمّة من ولد الحسين إلى يوم القيامة . أقول : راجع في تفسير أهل البيت كتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 3 ، ص 146 فيه أحاديث عن النبيّ ( ص ) تفسّر أهل البيت مثل ما في رواية الصدوق ( رض ) . وأيضا انظر في بيان معنى أهل البيت الأحاديث الواردة عن النبيّ ( ص ) في تفسير آيات المباهلة والتطهير والمودّة في تعليقتنا 8 و 156 . وروى الصدوق أيضا في كتابه كمال الدين وتمام النعمة ص 345 ، عن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن يونس ، عن العباس بن الفضل ، عن أبي زرعة ، عن كثير بن يحيى أبي مالك ، عن أبي عوانة ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عامر بن واثلة ، عن زيد بن أرقم ، قال : لما رجع رسول اللَّه ( ص ) من حجة الوداع فنزل بغدير خمّ ، ثمّ أمر بدوحات فقمم ما تحتهن ، ثمّ قال كأنّي قد دعيت ، فأجبت ، إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، ثمّ قال : إنّ اللَّه مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن ومؤمنة ، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب ( ع ) ثم قال : من كنت وليّه فهذا وليّه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . قال : فقلت لزيد بن أرقم : أنت سمعت عن رسول اللَّه ( ص ) فقال ما كان في الدوحات أحد إلَّا رآه بعينه وسمعه بأذنيه . وفيه أيضا عن محمّد بن عمرو البغدادي ، عن محمّد بن الحسن بن حفص الخثعمي ، عن محمد بن عبيد ، عن صالح بن موسى ، عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إنّي قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي أبدا ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما كتاب اللَّه وسنتي وإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . وفيه أيضا ، عن محمد بن عمرو الحافظ ، عن القاسم بن عباد ، عن سويد ، عن عمرو بن مصالح ، عن زكريا ، عن عطيّة ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلَّوا كتاب اللَّه جلّ وعزّ حبل ممدود وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض . وفيه أيضا ، عن أبي محمّد جعفر بن نعيم بن شاذان النيسابوري ، عن عمّه أبي عبد اللَّه محمد بن شاذان ، عن الفضل بن شاذان ، عن عبد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، أبي إسحاق ، عن عيسى بن معتمر ، قال : رأيت أبا ذر الغفاري ( ره ) آخذا بحلقة باب الكعبة وهو يقول : ألا من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر جندب بن السكن ، سمعت رسول اللَّه ( ص ) يقول : إنّي خلفت فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، ألا وإن مثلهما فيكم كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق . وروى الكليني في الأصول الكافي ج 1 ، ص 294 ، الحديث 3 ، بإسناده عن عبد الحميد بن الديلم ، عن الصادق ( ع ) قال في الحديث : قال رسول اللَّه ( ص ) : إنّي تارك فيكم أمرين ، إن أخذتم بهما لن تضلَّوا : كتاب اللَّه عزّ وجلّ وأهل بيتي عترتي ، أيها الناس اسمعوا وقد بلَّغت ، إنّكم ستردون عليّ الحوض فأسألكم عمّا فعلتم في الثقلين ، والثقلان : كتاب اللَّه جلّ ذكره وأهل بيتي ، فلا تسبقوهم فتهلكوا ، ولا تعلَّموهم فإنّهم أعلم منكم . وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده ج 3 ، ص 14 ، بإسناده عن أبي سعيد قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . ومثله عنه أيضا في ص 26 . وأيضا في ج 5 ، ص 182 بإسناده عن زيد بن ثابت مثله إلَّا أن فيه : إني تارك فيكم خليفتين . ومثله أيضا عن أبي سعيد الخدري ص 17 مع زيادة : وأنّ اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما . وأيضا في ص 59 بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : إني تركت فيكم ما أن أخذتم به لن تضلَّوا بعدي ، الثقلين أحدهما الحديث . وأخرج مثله السيوطي في الجامع الصغير ج 1 ، ص 402 ، الحديث 2631 ، وأخرج الدارمي في سننه ج 2 ، ص 524 ، الحديث 3316 بإسناده عن زيد بن أرقم ، قال : قام رسول اللَّه ( ص ) يوما خطيبا ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيّها النّاس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيبه ، وإنّي تارك فيكم الثقلين ، أولهما كتاب اللَّه ، فيه الهدى والنور فتمسّكوا بكتاب اللَّه وخذوا به ، فحثّ عليه ورغَّب فيه ، ثمّ قال : وأهل بيتي أذكركم اللَّه في أهل بيتي ، أذكركم اللَّه في أهل بيتي ، أذكركم اللَّه في أهل بيتي . وأخرجه أيضا أحمد بن حنبل في مسنده ج 4 ، ص 366 ، ومسلم في صحيحه ج 4 ، ص 1873 ، الحديث 36 . قد سبق منّا الإشارة إلى مرجع أحاديث النبيّ ( ص ) في تفسير أهل البيت في المستدرك للحاكم فراجع . وانظر أيضا في الحديث بأسانيد مختلفة وألفاظ متفرقة كنز العمال ج 1 ، ص 185 إلى 189 ، أحاديث 943 إلى 960 . وراجع أيضا في مصادر الحديث وبأسانيده وطرقه إحقاق الحق وملحقاته ج 9 ، ص 309 إلى 375 ، وأيضا ج 18 ، ص 261 إلى 289 ، ورسالة حديث الثقلين للشيخ محمّد قوام الدين القمي الوشنوي سلمه اللَّه المطبوعة في دار التقريب بالقاهرة . أمّا الأمر الثالث ، أنّه قد يستفاد من الحديث أمور : منها ، يفهم منه وجود من يكون أهلا للتمسك من أهل البيت والعترة الطاهرة في كلّ زمان إلى قيام الساعة ، حتّى يتوجّه الحثّ المذكور إلى التمسك به ، كما أن الكتاب كذلك ، فلذا كانوا أمانا لأهل الأرض ، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض . قاله الشريف السمهودي ، راجع رسالة حديث الثقلين للوشنوي ص 22 ، والغدير ج 3 ، ص 80 . ومنها ، دلَّت هذه الأحاديث على عصمة أهل البيت من الذنوب والخطأ لمساواتهم فيها بالقرآن الثابت عصمته في أنّهم أحد الثقلين المخلفين في الناس ، وفي الأمر بالتمسك بهم كالتمسك بالقرآن ، ولو كان الخطأ يقع منهم لما صح الأمر بالتمسك بهم الَّذي هو عبارة عن جعل أقوالهم وأفعالهم حجّة ، وفي أن المتمسّك بهم لا يضل كما لا يضل المتمسّك بالقرآن ولو وقع منهم الذنب أو الخطأ لكان المتمسك بهم يضل ، وأنّ في اتّباعهم الهدى والنور كما في القرآن ولو لم يكونوا معصومين لكان في اتباعهم الضلال ، وفي أنّهم حبل ممدود من السماء إلى الأرض كالقرآن وهو كناية عن أنّهم واسطة بين اللَّه تعالى وبين خلقه ، وأنّ أقوالهم عن اللَّه تعالى ولو لم يكونوا معصومين لم يكونوا كذلك ، وفي أنّهم لن يفارقوا القرآن ولم يفارقهم مدّة عمر الدنيا ولو أخطأوا أو أذنبوا لفارقوا القرآن وفارقهم ، وفي عدم جواز مفارقتهم يتقدم عليهم بجعل نفسه إماما لهم أو تقصير عنهم وائتمام بغيرهم ، كما لا يجوز التقدم على القرآن بالإفتاء بغير ما فيه أو التقصير عنه باتباع أقوال مخالفيه ، وفي عدم جواز تعليمهم وردّ أقوالهم ، ولو كانوا يجهلون شيئا لوجب تعليمهم ولم ينه عن ردّ قولهم . ودلَّت هذه الأحاديث أيضا على أن منهم من هذه صفته في كلّ عصر وزمان بدليل قوله ( ص ) أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، وأن اللطيف الخبير أخبره بذلك ، وورود الحوض كناية عن انقضاء عمر الدنيا فلو خلا زمان من أحدهما لم يصدق أنهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض . قاله العلَّامة السيد محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة ج 1 ، ص 370 . ومنها ، أنّه نعلم من الكتاب الحكيم والسنّة أنّ رسول اللَّه ( ص ) بلغ رسالته بكمالها وتمامها حتى قال ( ص ) : لم أترك من أموركم شيئا ، ( بحار الأنوار ج 22 ، ص 478 ) . مع أنّا نعلم أيضا أنّه ( ص ) ما قال كثيرا من الأحكام ، فإذن لا يصح قوله ( ص ) إلَّا بضميمة هذه الأحاديث وأمثالها مثل قوله : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ( راجع التعليقة 136 ) فإنّ عليّا وأولاده ( ع ) هم وارثوا علمه ( ص ) ، فظهر أنّ كمال الإسلام وتماميّة رسالته ( ص ) يتحقّق بالتمسّك بهم وبأخذ العلم عنهم وأنّ علمهم علم النبيّ وقولهم ( ع ) قوله ( ص ) . ومنها ، يستفاد من هذه الأحاديث أنّ الكتاب والعترة توأمان معا ولن يفترقا في العمل بهما وأخذ المعارف عنهما ، يعني أن الهداية تكون في أخذهما معا والضلالة في التفريق بينهما والأخذ بأحدهما فقط ، فمن أخذ الكتاب بدون العترة فقد ضلّ ، ومن أخذ العترة بدون الكتاب فقد ضلّ ، فلا بد من أخذهما معا والعمل بهما معا والإيمان بحقّانيّتهما معا والتمسّك بهما معا حتى يكون من الفائزين والمهتدين . * ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى ) * [ سورة يونس ، الآية : 35 ] . * ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّه َ وَرَسُولَه ُ وَيَخْشَ اللَّه َ وَيَتَّقْه ِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) * [ سورة النور ، الآية : 52 ] . ومنها ، دلَّت هذه الأحاديث أنّ إطاعتهم ( ع ) والعمل بقولهم والأخذ بسنّتهم هي إطاعة رسول اللَّه والأخذ بقوله وسنّته ( ص ) بل هي عين السنّة وتكميلها كما بيّناه ، على أن ملاك العمل بعد الكتاب هو سنّة نبيّنا ( ص ) وأن قوله وفعله وتقريره حجّة علينا ، والسنّة تثبت بكل نقل وطريق موثق أو متواتر عنه ( ص ) وأيّ طريق أوثق من طريق العترة ( ع ) ؟ والحال أنّ قربهم من النبيّ وعلمهم بالقرآن والسنّة وتقواهم وطهارتهم ووثاقتهم موضع وفاق عند المسلمين ، هذا مضافا إلى تأكيد النبيّ ( ص ) على التمسك بهم في هذه الأحاديث وغيرها المنقولة عنه ( ص ) متواترا بل فوق التواتر كما مرّ .