السيد حيدر الآملي

407

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الاختلافات في المظاهر ، والاختلافات في المظاهر هو عين الاتّفاقات في الحقائق ، والتّجلَّي غير مكرّر ، والوجود غير قابل لذلك ، فلا يكون هناك اختلاف أصلا ، ومن هذا قيل : لا يتجلَّى الحقّ في صورة مرّتين ولا يتجلَّى في صورة للاثنين . وإن فرضنا أنّ اللَّه تعالى ظهر بصور المظاهر والقوابل على حسب اختلافهم الذّاتي واستعدادهم الجبلَّي بموجب ما يقرّر مرارا ، فكيف يمكن أيضا الاتّفاق من غير الاختلاف ، والذّوات مختلفة والقوابل متنوّعة ، فلا جرم يقول : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ سورة هود : 118 ، 119 ] . والَّذي سبقت من قولنا : إنّ هذا هو عين الاتّفاق ، معناه أنّ الوجود لو كان على وتيرة واحدة ، لم يكن فيه اختلاف ولا تفاضل في الدّرجات والمراتب صورة ومعنى ، لم يكن كاملا في نفسه ، ولا جامعا بين الظَّاهر والباطن بل كان ناقصا غير تامّ محتاجا إلى الغير ، خارجا عن صفة الوجوب الذّاتي داخلا في صفة الإمكان الذّاتي ، لأنّ الاحتياج إلى الغير والنّقص من لوازم الممكن لا الوجوب ، والوجود من حيث هو وجود واجب باتّفاق المحقّقين ، فلا يكون محتاجا إلى الغير أصلا ولا ناقصا . وإلى هذا المعنى وهذا التّرتيب والنّسق الإلهي والحكمة الَّتي فيه أشار الحقّ تعالى في قوله مفصّلا وقال : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه ِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه ِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّه ُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّه ِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيه ِ تَخْتَلِفُونَ [ سورة المائدة : 48 ] . لأنّ قوله : لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا دالّ على اختلافهم في الاستعدادات والذّوات ، وكذلك في الآراء والاعتقاد ، لأنّ الآراء والاعتقادات توابع للذّوات والاستعدادات ، كما أنّ الظَّاهر تابع الباطن والصورة للمعنى .