السيد حيدر الآملي

346

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه ُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه ُ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ الآية [ سورة المائدة : 54 ] . لأن هذا إخبار عنهم وعن المناسبة الحقيقيّة والطَّهارة الذاتيّة الجبليّة ، أي جبّلة لهم بالذّات ، وبالجملة لا يمسّ كتابه الكريم بالحقيقة ، أي لا يطَّلع عليه إلَّا الطَّاهرين من النّجاسات المذكورة والمنزّه عن الأخلاق الذّميمة ، ومن هذا قال : وما يعلم تأويله إلَّا اللَّه والرّاسخون في العلم ، لأنّ . . . مناسبة حقيقية من هذه الوجوه ، رزقنا اللَّه الاتّصاف بها وبأمثالها . . . إلى تحصّل الطهارات الحقيقيّة والكمالات الأخرويّة ، ووفقنا للقيام بتأويل القرآن والحقيقة . وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ القرآن كحكم نازل من سلطان مجازي على عبيده وأرباب دولته ، فإن لم يحصل لهؤلاء مثلا الاطَّلاع على جميع ما في ذلك الحكم ، كيف يمكن لهم الحكم به أو ببعضه ، لأنّهم لو حكموا ببعض ما فيه دون اطَّلاعهم على ذلك البعض الآخر ، يمكن أن يكون هذا البعض مخالفا لذلك البعض الباقي ، ويحصل لهم الضّرر من السلطان حيث إنّ الحكم كان بعضه متعلَّقا بالبعض ومنوطا به وهم ما رعوا هذا الأمر ، وحكموا بالبعض دون البعض ، فإن قالوا في الجواب كان الحكم مشتملا على أسرار كثيرة ودقائق جليلة وما كنّا نتمكّن من الاطلاع عليها ، يقول لهم السلطان : ما كنت بعثت إليكم مع الحكم وزيري يعلم الكلّ ؟ لم ما سألتم عنه كلّ ما كان يشكل عليكم وقد قلت : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه ُ إِلَى اللَّه ِ وَالرَّسُولِ [ سورة النساء : 59 ] . وقلت : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ سورة النحل : 43 ] . ومعلوم أنّ هذا يكون لهم إلزاما تامّا مسكتا عن الجواب مطلقا ، فكذلك القرآن فإنّه حكم إلهي نازل من سلطان حقيقيّ على عبيده وأرباب دولته كالخلق والرّسل ، ليقوموا بجميع ما فيه من الأحكام والأسرار لقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سورة الأنعام : 59 ] . وليعلم بعضهم بعضا كلّ ما فيه ، فإذا قام أحدهم ببعضه الَّذي هو التّفسير