السيد حيدر الآملي
315
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وقوله : أمّا الحصر في سبعين وسبعة آلاف فذلك لا يستقلّ به إلَّا القوّة النبوّيّة ، إن أراد به العلم بجزئيّات الأشياء ، فهو غير مدّع ، إذ ليس إدراك جزئيّات الأشياء شرط الكمال ، بل ولا شرطا في النبوّة ، وإن أراد العلم بالكليّات ، فهو غير مسلَّم ، إذ لا يلزم من عدم علمه عدم علم غيره ، ومن حقّق ما أشرنا إليه من تعلَّقات النّفس بسبب تعلَّقها بالبدن ، انكشف له سرّ ذلك . وقوله : ظاهر ظنّي أنّ هذه الأعداد مذكورة للتكثير لا التّحديد ، ليس بمرضيّ ، لأنّ كلام الشارع يجب أن يحمل على أصول معقولة وقواعد مضبوطة غير مختلَّة ، لا على مجرى الغرابة من الجزاف والتّسامح والتّقريب والتّخمين ، وهب أنه قصد التّكثير فما وجه تخصيصه بالسّبعين أو سبعين ألفا وهلَّا خصّصه بمائة مثلا أو ألف أو أقلّ منهما أو أكثر ، فإنّه في ذلك يحصل غرض التكثير ، وهل الكلام إلَّا في خصوصيّة لأعداد ، وليس السرّ في الحقيقة إلَّا في خصوصيّة السبعة وخصوصيّة العشرة . وأمّا كلام الشيخ الرّازي ، فالكلام عليه أمّا أوّلا ، فقوله مبنيّ على قدم الأرواح البشريّة كما هو رأي أفلاطون ومن وافقه فيه ، ولم يثبت ذلك بالبراهين ، واتّفق محقّقو الحكماء بعد أفلاطون كأرسطو ومن تبعه على حدوثها ، وذكروا عليه براهين مذكورة في مواضعها ، وأبطلوا التّناسخ اللَّازم لقدمها . وأمّا ثانيا فقدمها إمّا أن يكون مبنيّا على النّقل عندهم مثل ما يروونه عن النبيّ ( ص ) : أوّل ما خلق اللَّه نوري أو عقلي ( 73 ) على اختلاف الرّوايتين ، ومثل قوله :
--> ( 73 ) قوله : مثل ما يروونه عن النبي ( ص ) : أول ما خلق اللَّه نوري ، أو عقلي . رواه في عوالي اللئالي ج 4 ، ص 99 ، الحديث 140 وقال : وفي حديث آخر أنه قال : أول ما خلق اللَّه العقل . وفي البحار ج 1 ، ص 96 عن علل الشرائع للصدوق ( ره ) في سؤالات الشامي عن أمير المؤمنين : أخبرني عن أول ما خلق اللَّه تبارك وتعالى ، فقال : النور . وأيضا في البحار ج 25 ، ص 22 عن جابر بن عبد الله في تفسير قوله تعالى : * ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) * [ سورة آل عمران ، الآية : 110 ] قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : أول ما خلق اللَّه نوري . . . الحديث ، يأتي تمام الحديث وأحاديث أخر في تعليقنا 167 و 75 و 159 فراجع . قال الأميني في كتابه الغدير ج 7 ، ص 38 نقلا عن السيرة الحلبيّة ج 1 ، ص 159 : وجاء عنه ( ص ) : أول ما خلق نوري . واعلم أنه ورد في الأحاديث أيضا أن أول ما خلق اللَّه روح النبي وأرواح أهل البيت : منها ، روى الصدوق في كمال الدين ج 1 ، ص 366 ، الباب الثالث والعشرون في نصّ اللَّه تبارك وتعالى على القائم ( ع ) الحديث 4 ، بإسناده عن عبد السلام الهروي عن مولانا علي بن موسى الرضا ( ع ) عن آبائه ( ع ) عن رسول اللَّه ( ص ) ، والحديث طويل وفيه : إن أول ما خلق اللَّه أرواحنا . . الحديث ، يأتي الحديث بتمامه في تعليقتنا 167 فراجع . ومنها ، روى الكليني في أصول الكافي ج 1 ، ص 422 ، الحديث 10 بإسناده عن جابر بن يزيد قال : قال أبو جعفر ( ع ) : يا جابر إن اللَّه أول ما خلق خلق محمّد ( ص ) وعترته الهداة المهتدين الحديث ذكرناه في تعليقتنا 159 . اعلم أنه قد ورد في أن النبي ( ص ) أول الناس في الخلق أحاديث قد نذكر هاهنا بعضها مزيدا للفائدة : منها ، قال النبي ( ص ) : كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث ذكره الأميني في كتابه الغدير ج 7 ، ص 38 نقلا عن ابن سعد في الطبقات ، والطبري في تفسيره 21 ، 79 ، وأبي نعيم في الدلائل 1 ، 6 ، والسيوطي في الخصائص الكبرى وعن غيرها فراجع . وأخرجه أيضا السيوطي في الجامع الصغير ج 2 ، ص 296 ، الحديث 6423 . ومنها ، فيه أيضا عن مجمع الزوائد ج 1 ، ص 71 في حديث الإسراء : إنك عبدي ورسولي وجعلتك أوّل النبيّين خلقا وآخرهم بعثا . ومنها - في عوالي اللئالي ج 4 ، ص 122 ، الحديث 202 ، قال النبي ( ص ) : أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا . ومنها - في كنز العمال ج 11 ، الحديث 32126 ، ص 452 : كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث .