السيد حيدر الآملي
214
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ولم يكن يقول أمير المؤمنين علي ( ع ) : أنا النقطة تحت الباء . [ قد مر بيانه ومرجعه في التعليقة رقم 14 ] . وتارة بالكلمة في حقّ عيسى ( ع ) : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّه ِ وَكَلِمَتُه ُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ سورة النساء : 171 ] . ولم يكن يقول أمير المؤمنين ( ع ) : أنا ألم ذلك الكتاب ، أنا كهيعص ، أنا القرآن الناطق ، أنا كلمة اللَّه العليا ( 19 ) . وتارة بالآية ، لقوله في حق عيسى ومريم ( ع ) : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّه ُ آيَةً [ سورة المؤمنون : 50 ] . ولم يكن يقول أمير المؤمنين ( ع ) : أنا آية الجبار ، أنا فلك الاقتدار ، وأمثال ذلك مما ورد في خطبة الافتخارية ( 20 ) .
--> ( 19 ) و ( 20 ) قوله ( ع ) : أنا ألم ذلك الكتاب الخ وقوله ( ع ) : أنا آية الجبّار الحديث . أقول : بما أنّ السيّد المؤلَّف نوّر اللَّه سرّه استشهد كثيرا بخطبة البيان ، والخطبة الافتخاريّة المنسوبتين إلى أمير المؤمنين عليّ ( ع ) ، في موارد عديدة في التفسير ، وفي كتابه جامع الأسرار ، نذكر بعد مقدّمة متن الخطبتين أوّلا وبعض الأحاديث الواردة في مضمونهما في الجملة ثانيا . أمّا المقدّمة ، ذكر خطبة البيان والافتخاريّة والطتنجيّة وغيرها المنسوبة لمولانا علي بن أبي طالب عليه آلاف التحيّة والسلام ، الحافظ البرسي في كتابه المعروف ( مشارق الأنوار ص 159 إلى ص 172 ) وأشار بها أيضا الفيض في كتابه قرّة العيون في الكلمة الثالثة من المقالة السابعة ص 409 مع بيان وتأويل منه ، وأيضا ذكرها الهمداني في كتابه القيّم ( بحر المعارف ) مع توضيح قبل ذكرها ص 366 . ألَّف بعض العلماء شرحا لخطبة البيان ، منها شرح العلَّامة الدهدار والمسمّى ( بخلاصة الترجمان في تأويل خطبة البيان ) وهو شرح مبسوط ممتع وليس بمطبوع ومخطوطه موجود في بعض المكتبات العامّة والخاصّة منها في المكتبة العامّة للمدرسة الحجتيّة بقم ، ومنها شرح للميرزا أبي القاسم الحسيني المسمّى بمعالم التأويل والتبيان في شرح خطبة البيان ، ومنها للحكيم مير سيد شريف ، وهو رسالة موجزة مع متن الخطبة وليست بمطبوعة ظاهرا وبقيت مخطوطة . على أنها خطبة معروفة أنشدها على ما نقل أمير المؤمنين في الكوفة أو في البصرة ، وهي منقولة بتفاوت ، وإنّا لم نجدها في الجوامع الروائية وليس لها سند متصل بل نقلت مرسلة ، ولكن مع ذلك مضمونها متقن يمكن إثبات فقراتها عقلا ونقلا وردت في بعض معانيها آيات وروايات يمكن تطبيقها معها بسهولة ، ورأيت لخطبة البيان نسخة مخطوطة في المكتبة العامّة للعلَّامة الحجّة المرعشي النجفي رضوان اللَّه تعالى عليه تحت رقم 245 ، نقلها وكتبها السيّد حسن بن السيد علي بن السيّد حسن بن السيد علي بن حسين الحسيني البحراني التوبلي التنكابني ، كتبها في يوم الأحد 18 ذي حجّة الحرام في سنة 967 في جزيرة جرون ، وذكر لها سندا وقال : بسم اللَّه الرّحمن الرحيم حدثنا محمّد بن أحمد الأنباري ، قال : حدثنا الحسن بن محمّد الجرجاني قاضي الريّ ، قال : حدثنا طوق بن مالك عن أبيه عن جده ، عن عبد الله بن مسعود ، يرفعه إلى علي بن أبي طالب ( ع ) . قال : إنّه لمّا تولَّى الخلافة بعد الثلاثة وأقام ما أقام وأتى البصرة ، فرقى المنبر بجامعها ، وخطب للناس خطبة بليغة تذهل منها العقول ، وتقشعر منها الجلود ، قال : فلمّا سمعوا منه ذلك أكثروا البكاء والنحيب ، فكثر الصياح والصراخ ، قال : وكان رسول اللَّه ( ص ) ، لمّا قرب أجله أسّر إلى علي ( ع ) السّر الخفيّ الَّذي بينه وبين اللَّه عزّ وجلّ ، ولأجل ذلك انتقل النور الَّذي كان في وجهه إلى وجه علي بن أبي طالب ( ع ) ، قال : ومات النبيّ ( ص ) في مرضه الَّذي أوصى فيه لأمير المؤمنين ( ع ) وكان قد أوصى أن يخطب للنّاس خطبة بليغة بعد موته تسمّى خطبة البيان ، وفيها علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، قال : فأقام أمير المؤمنين بعد موت النبيّ ( ص ) صابرا على ظلم الأمّة الباغية إلى أن قرب أجله ، وجاءت وصية النبيّ الَّتي له بالخطبة الَّتي تسمّى خطبة البيان ، فأقام أمير المؤمنين ( ع ) بالبصرة ورقا المنبر وهي آخر خطبة خطبها ، فحمد اللَّه ، وأثنى عليه ، وذكر النبيّ ( ص ) وقال : أيّها النّاس : الخطبة . . . انتهى كلامه ، هذا ما في ذلك الكتاب المخطوط واللَّه العالم . وأمّا متن خطبة البيان ( المسمّاة أيضا بالخطبة الأنانيّة ) على ما نقل الحكيم مير سيّد شريف في رسالة مخطوطة منه في شرح الخطبة في المكتبة العامة الهامّة للعلَّامة البارع الحجّة النجفي المرعشي ( رض ) الرقم 2291 ، قال : خطبة البيان من كلام مولانا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام . بسم اللَّه الرّحمن الرحيم أنا الذي عنده مفاتيح الغيب لا يعلمها بعد محمّد ( ص ) غيري ، أنا بكلّ شيء عليم ، أنا ذو القرنين المذكور في الصّحف الأولى أنا الحجر الَّذي انفجر منه اثنتا عشرة عينا ، أنا الذي عندي خاتم سليمان ، أنا الَّذي أتولَّى حساب الخلائق أجمعين ، أنا اللوح المحفوظ ، أنا جنب اللَّه ، أنا قلب اللَّه ، إن إلينا إيابهم ، ثم إن علينا حسابهم ، أنا الَّذي قال رسول اللَّه ( ص ) الصراط صراطك والموقف موقفك ، أنا الَّذي عنده علم الكتاب ما كان وما يكون ، أنا آدم الأوّل ، أنا نوح الأوّل ، أنا إبراهيم الخليل حين ألقي في النّار ، أنا موسى مؤنس المؤمنين ، أنا فتاح الأسباب ، أنا منشئ السحاب ، أنا مورق الأشجار ، أنا مونع الثمار ، أنا مفجّر العيون ، أنا مطرد الأنهار ، أنا داحي الأرضين ، أنا سمّاك السماوات ، أنا الَّذي عندي فصل الخطاب ، أنا قسيم الجنة والنّار ، أنا ترجمان وحي اللَّه ، أنا معصوم من عند اللَّه ، أنا خازن علم اللَّه ، أنا حجّة اللَّه على من في السّماء وفوق الأرضين ، أنا دابّة الأرض ، أنا الرّاجفة ، أنا الرّادفة ، أنا الصيحة بالحق يوم الخروج الَّذي لا يكتم عنه خلق السماوات والأرض ، أنا الساعة الَّذي اعتدنا لمن كذّب بها سعيرا ، أنا ذلك الكتاب لا ريب فيه ، أنا الأسماء الحسني ، الَّتي أمر اللَّه أن يدعى بها ، أنا الَّذي اقتبس موسى منه فهدى ، أنا هادم القصور ، أنا مخرج المؤمنين من القبور ، أنا المتكلَّم بكلّ لغة في الدنيا ، أنا صاحب نوح ومنجيه ، أنا صاحب أيوب المبتلى وشافيه ، أنا صاحب يونس ومنجيه ، أنا أقمت السّموات السّبع بنور ربّي وقدرته ، أنا الغفور الرحيم وعذابي هو العذاب الأليم ، أنا الَّذي أسلم إبراهيم الخليل لربّ العالمين وأقرّ بفضلي ، أنا عصا الكليم وبه أخذ بناصية الخلق أجمعين ، أنا الَّذي نظرت في الملكوت فلم يعدّ غيري شيء وغاب غيري ، أنا الَّذي أحصى هذا الخلق وإن كثروا حتّى أؤدّيهم إلى اللَّه ، أنا الَّذي لا يبدّل القول لديّ ، وما أنا بظلَّام للعبيد ، أنا ولي اللَّه في أرضه والمفوّض إليه أمره والحكام في عباده ، أنا الَّذي دعوت السبع السّموات بما فيها فأجابتني وأمرتها فانتصبت لأمري ، أنا الَّذي بعثت النبيّين والمرسلين ، أنا الَّذي دعوت الشمس والقمر فأجاباني ، أنا فطرة العالمين ، أنا داحي الأرضين والعالم بالأقاليم ، أنا أمر اللَّه والرّوح كما قال اللَّه تعالى : * ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) * [ سورة الإسراء ، الآية : 85 ] أنا الَّذي قال اللَّه تعالى لنبيّه : * ( أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) * [ سورة ق ، الآية : 24 ] ، أنا الَّذي أرسيت الجبال وبسطت الأرضين ، أنا مخرج العيون ومنبت الزّروع ومغرس الأشجار ومخرج الثمار ، أنا الَّذي أقدّر أقواتها ومنزل القطر ومسمع الرعد ومبرق البرق ، أنا مضيء الشمس ومطلع القمر ومنشئ النجوم ، وأنا مجرى الفلك في البحور ، أنا الَّذي أقوّم السّاعة ، أنا الَّذي إن متّ فلم أمت ، وإن قتلت فلم أقتل ، أنا الَّذي أعلم ما يحدث ساعة بعد ساعة ، أنا الَّذي أعلم خطرات القلوب ولمع العيون وما تخفي الصدور ، أنا صلاة المؤمنين وزكاتهم وحجّهم وجهادهم ، أنا الناقور ، أنا الَّذي قال اللَّه تعالى : * ( فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ) * [ سورة المدثر ، الآية : 8 ] ، أنا صاحب النشر الأوّل والآخر ، أنا صاحب الكوكب ومزيل الدولة ، أنا صاحب الزلازل والرّجف ، أنا الَّذي أعلم المنايا والبلايا وفصل الخطاب ، أنا صاحب أرم ذات العماد الَّتي لم يخلق مثلها في البلاد ونازلها والمنفق بما فيها ، أنا الَّذي أهلكت الفراعنة والجبارين المتقدمين بسيف ذي الفقار ، أنا الَّذي حملت نوحا في السفينة ، أنا الَّذي أنجيت إبراهيم من نار نمرود ومؤنسه ، أنا مؤنس يوسف الصديق في الجبّ ومخرجه ، أنا صاحب موسى والخضر ومعلَّمهما ، أنا منشئ الملكوت في الكون ، أنا البارئ وأنا المصوّر في الأرحام ، أنا الَّذي أبرئ الأكمة والأبرص وأعلم ما في الضمائر ، أنا أنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم ، أنا البعوضة الَّتي ضرب اللَّه المثل ، أنا الذي أقامني اللَّه والخلق في الظلمة ودعا إلى طاعتي فلمّا ظهرت أنكروا أمره ثم قال عزّ وجلّ : * ( فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِه ِ ) * [ سورة البقرة ، الآية : 89 ] أنا الَّذي كسوت العظام لحما ثمّ أنشأته بقدرته ، أنا حامل لعرش اللَّه مع الأبرار من ولدي وحامل العلم ، أنا أعلم بتأويل القرآن والكتب السالفة ، أنا المرسوخ في العلم ، أنا وجه اللَّه في السماوات والأرض كما قال اللَّه تعالى : * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ ) * [ سورة القصص ، الآية : 88 ] أنا صاحب الجبت والطاغوت ومحرقهما ، أنا باب اللَّه الذي قال اللَّه تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) * [ سورة الأعراف ، الآية : 40 ] . ولا يكون ذلك أبدا . أنا الَّذي خدمني جبرائيل وميكائيل ، أنا الَّذي ردّت عليّ الشمس مرّتين ، أنا الَّذي خصّ اللَّه جبرائيل وميكائيل بالطاعة لي ، أنا اسم من أسماء اللَّه الحسنى والعليا ، أنا صاحب الطور ، أنا الكتاب المسطور ، أنا البيت المعمور ، أنا الحرث والنسل ، أنا الَّذي فرض اللَّه على كلّ قلب ذي روح متنفّس من خلق اللَّه ، أنا الَّذي أنشر الأوّلين والآخرين ، أنا قاتل الأشقياء ومحرقهم بناري ، أنا الَّذي أظهرني اللَّه على الدّين ، أنا المنتقم من الظالمين ، أنا الَّذي أرى دعوة الأمم كلَّها وكفرت وأصرّت ومسخت ، أنا الَّذي أرد المنافقين من حوض رسول اللَّه ، أنا باب فتح اللَّه لعباده من دخله كان آمنا ، ومن خرج منه كان كافرا ، أنا الَّذي بيدي مفاتيح الجنان ومقاليد النيران ، أنا الَّذي جهد الجبابرة بإطفاء نور اللَّه وإدحاض محجّته . فيأبى اللَّه إلَّا أن يتمّ نوره وولايته ، أعطى اللَّه نبيّه نهر الكوثر وأعطاني نهر الحياة ، أنا مع رسول اللَّه في الأرض فعرّفني من يشاء ويمنع من يشاء ، أنا قائم في ظلَّة خضر حيث لا روح يتحرّك ولا نفس يتنفّس غيري ، أنا علم صامت ومحمد علم ناطق ، أنا صاحب القرون الأولى ، أنا صاحب القرن ، أنا جاوزت موسى الكليم في البحر وأغرقت فرعون ، أنا عذاب يوم الظلَّة ، أنا الَّذي أعلم هماهم البهائم ومنطق الطير ، أنا آيات اللَّه وحجج اللَّه وأمين اللَّه ، أنا أحيي وأميت ، أنا أخلق وأرزق ، أنا السميع العليم ، أنا الَّذي أجوز السماوات السبع والأرضين السبع في طرفة عين ، أنا ذو القرنين في هذه الأمّة كما قال رسول اللَّه ( ص ) : إنّك ذو القرنين في هذه الأمّة ، أنا صاحب الناقة الَّتي أخرجها اللَّه لنبيّه صالح ، أنا الَّذي أنقر في الناقور ذلك يومئذ عسير على الكافرين غير يسير ، أنا كهيعص ، أنا المتكلَّم على لسان عيسى في المهد صبيّا ، أنا المتكلَّم على لسان الصبيّ ، أنا يوسف الصديق ، أنا الَّذي تاب اللَّه بي على داود ، أنا الَّذي يصلَّي عيسى خلفي ، أنا المتقلَّب في الصور ، أنا الَّذي ليس كمثله شيء ، أنا العذاب الأعظم ، أنا الآخرة والأولى ، أنا أبدأ وأعيد ، أنا فرع من فروع الزيتونة وقنديل من قناديل النبوّة ، أنا مصباح الهدى ، أنا مشكاة فيها نور المصطفى ، أنا الَّذي أرى أعمال العباد لا يعزب عنّي شيء في الأرض ولا في السماء ، أنا خازن السماوات وخازن الأرض ، أنا قائم بالقسط ، أنا عالم بتغيّر الزمان وحدثانه ، أنا الَّذي ليس شيء من عمل عامل إلَّا بمعرفتي ، أنا الَّذي أعلم عدد النّمل ووزنها وخفّتها ، ومقدار الجبال ووزنها ، وعدد قطر الأمطار ، أنا آيات اللَّه الكبرى الَّتي رآها فرعون ، أنا الَّذي أقتل القتلين وأحيي مرتين وأظهر كيف أشاء ، أنا الَّذي رميت وجه الكفّار كفّ تراب ، فرجعوا الهلكى ، أنا الَّذي أحصى هذه الخلائق وإن كثروا ، أنا الَّذي عندي ألف كتاب من كتب الأنبياء ، أنا الَّذي جحد ولايتي ألف أمّة فمسخوهم ، أنا المذكور في سالف الزمان والخارج في آخر الزمان ، أنا قاصم فراعنة الأوّلين ومخرجهم ومعذّبهم في الآخرين ، أنا معذّب الجبت والطاغوت ومحرقهم ، ومعذّب يغوث ويعوق ونسرا ، أنا معذّبهم عذابا شديدا ، أنا المتكلَّم بسبعين لسانا ، ومفتي شيء على سبعين وجها ، أنا الَّذي أعلم تأويل القرآن وما تحتاج إليه الأمّة ، أنا الَّذي أعلم ما يحدث بالليل والنهار أمرا بعد أمر شيئا إلى يوم القيامة ، أنا الَّذي عندي اثنان وسبعون اسما من أسماء اللَّه العظام ، أنا الَّذي أرى أعمال الخلائق في مشارق الأرض ومغاربها ولا يخفى عليّ منهم شيء ، أنا الكعبة والبيت الحرام ، أنا البيت العتيق كما قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) * [ سورة قريش ، 3 ، 4 ] . أنا الذي يملكني اللَّه شرق الأرض وغربها أسرع من طرفة عين ولمح البصر ، أنا محمّد المصطفى ( ص ) : عليّ منّي وأنا منه ، الممدوح بروح القدس أخلق وأرزق وأحيي وأميت ، أنا المعنى الَّذي لا يقع عليّ اسم ولا شبه ، أنا أظهر كيف أشاء ، أنا باب نصيبهم ، ولا حول ولا قوّة إلَّا باللَّه العليّ العظيم وصلى اللَّه على خير خلقه محمّد وآله أجمعين ، تمّت الخطبة المباركة بالخير والعافية . وأمّا الخطبة الافتخارية فذكرها الحافظ رجب البرسي في كتابه مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين ص 164 وقال : رواها الأصبغ بن نباتة قال : خطب أمير المؤمنين ( ع ) فقال في خطبته : أنا أخو رسول اللَّه ووارث علمه ، ومعدن حكمه ، وصاحب سرّه ، وما أنزل اللَّه حرفا في كتاب من كتبه إلَّا وقد صار إليّ ، وزاد لي علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، أعطيت علم الأنساب والأسباب ، وأعطيت ألف مفتاح يفتح كل مفتاح ألف باب ، ومددت بعلم القدر ، وإن ذلك يجري في الأوصياء من بعدي ، وما جرى الليل والنهار حتّى يرث اللَّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، أعطيت الصراط والميزان واللواء والكوثر ، أنا المقدّم على بني آدم يوم القيامة ، أنا المحاسب للخلق ، أنا منزلهم منازلهم ، أنا عذاب أهل النار ، إلى كلّ ذلك فضل من اللَّه عليّ ، ومن أنكر أنّ لي في الأرض كرة بعد كرة وعودا بعد رجعة ، حديثا كما كنت قديما ، فقد ردّ علينا ، ومن ردّ علينا فقد ردّ على اللَّه ، أنا صاحب الدعوات ، أنا صاحب الصلوات ، أنا صاحب النقمات ، أنا صاحب الدلالات ، أنا صاحب الآيات العجيبات ، أنا عالم أسرار البريات ، أنا قرن من حديد ، أنا أبدا حديد ، أنا منزل الملائكة منازلها ، أنا آخذ العهد على الأرواح في الأزل ، أنا المنادي لهم : ألست بربكم بأمر قيوم لم يزل ، أنا كلمة اللَّه الناطقة في خلقه ، أنا آخذ العهد على جميع الخلائق في الصلوات ، أنا غوث الأرامل واليتامى ، أنا باب مدينة العلم ، أنا كهف الحلم ، أنا عامّة اللَّه القائمة ، أنا صاحب لواء الحمد ، أنا صاحب الهبات بعد الهبات ، ولو أخبرتكم لكفرتم ، أنا قاتل الجبابرة ، أنا الذخيرة في الدنيا والآخرة ، أنا سيّد المؤمنين ، أنا علم المهتدين ، أنا صاحب اليمين ، أنا اليقين ، أنا إمام المتقين ، أنا السابق إلى الدين ، أنا حبل اللَّه المتين ، أنا الَّذي أملأها عدلا كما ملئت ظلما وجورا بسيفي هذا ، أنا صاحب جبرائيل ، أنا تابع ميكائيل ، أنا شجرة الهدى ، أنا علم التقى ، أنا حاشر الخلق إلى اللَّه بالكلمة الَّتي بها يجمع الخلائق ، أنا منشئ ، ( منشأ ) الأنام ، أنا جامع الأحكام ، أنا صاحب القضيب الأزهر والجمل الأحمر ، أنا باب اليقين ، أنا أمير المؤمنين ، أنا صاحب الخضر ، أنا صاحب البيضاء ، أنا صاحب الفيحاء ، أنا قاتل الأقران ، أنا مبيد الشجعان ، أنا صاحب القرون الأوّلين ، أنا الصديق الأكبر ، أنا الفاروق الأعظم ، أنا المتكلَّم بالوحي ، أنا صاحب النجوم ، أنا مدبرها بأمر ربّي وعلم اللَّه الَّذي خصّني به ، أنا صاحب الرايات الصفر ، أنا صاحب الرايات الحمر ، أنا الغائب المنتظر لأمر العظيم ، أنا المعطي ، أنا المبذل ، أنا القابض يدي على القبض الواصف لنفسي ، أنا الناظر لدين ربي ، أنا الحامي لابن عمي ، أنا مدرجة في الأكفان ، أنا والي الرحمن ، أنا صاحب الخضر وهارون ، أنا صاحب موسى ويوشع بن نون ، أنا صاحب الجنة ، أنا صاحب القطر والمطر ، أنا صاحب الزلازل والخسوف ، أنا مروع الألوف ، أنا قاتل الكفار ، أنا إمام الأبرار ، أنا البيت المعمور ، أنا السقف المرفوع ، أنا البحر المسجور ، أنا باطن الحرم ، أنا عماد الأمم ، أنا صاحب الأمر الأعظم ، هل من ناطق يناطقني ، أنا النار ، ولولا أنّي أسمع كلام اللَّه وقول رسول اللَّه ( ص ) لوضعت سيفي فيكم وقتلتكم عن آخركم ، أنا شهر رمضان ، أنا ليلة القدر ، أنا أمّ الكتاب ، أنا أفصل الخطاب ، أنا سورة الحمد ، أنا صاحب الصلاة في الحضر والنحر ، أنا الواضع عن أمّة محمّد الوزر ، أنا باب السجود ، أنا العابد ، أنا المخلوق ، أنا الشاهد ، أنا المشهود ، أنا صاحب السندس الأخضر ، أنا المذكور في السماوات والأرض ، أنا الماضي مع رسول اللَّه في السماوات ، أنا صاحب الكتاب والقوس ، أنا صاحب شيث بن آدم ، أنا صاحب موسى وارم ، أنا بي تضرب الأمثال ، أنا السماء الخضر ، أنا صاحب الدنيا الغبراء ، أنا صاحب الغيث بعد القنوط ، ها أنا ذا فمن ذا مثلي . أنا صاحب الرعد الأكبر ، أنا صاحب البحر الأكدر ، أنا مكلم الشمس ، أنا الصاعقة على الأعداء ، أنا غوث من أطاع من الورى واللَّه ربّي لا إله غيره ، ألا وإن للباطل جولة وللحقّ دولة ، وإني ظاعن عن قريب فارتقبوا الفتنة الأمويّة والدولة الكسرويّة ، ثم تقبل دولة بني العباس بالفرح والبأس ، وتبنى مدينة يقال لها الزوراء بين دجلة ودجيل والفرات ، ملعون من سكنها ، منها تخرج طينة الجبارين ، تعلى فيها القصور ، وتسبل الستور ، ويتحلون بالمكر والفجور ، فيتداولها بنو العباس 42 ملكا على عدد سني الملك ، ثمّ الفتنة الغبراء ، والقلادة الحمراء في عنقها قائم الحق ، ثمّ أسفر عن وجهي بين أجنحة الأقاليم كالقمر المضيء بين الكواكب ، ألا وإن لخروجي علامات عشرة ، أولها تحريف الرايات في أزقة الكوفة ، وتعطيل المساجد ، وانقطاع الحاج ، وخسف وقذف بخراسان ، وطلوع الكواكب المذنب ، واقتران النجوم ، وهرج ومرج وقتل ونهب ، فتلك علامات عشرة ، ومن العلامة إلى العلامة عجب ، فإذا تمت العلامات قام قائمنا قائم الحقّ ، . . . ثم قال : معاشر الناس نزهوا ربكم ولا تشيروا إليه ، فمن حد الخالق فقد كفر بالكتاب الناطق ، ثم قال : طوبى لأهل ولايتي الذين يقتلون فيّ ، ويطردون من أجلي ، هم خزان اللَّه في أرضه ، لا يفزعون يوم الفزع الأكبر ، أنا نور اللَّه الَّذي لا يطفأ ، أنا السرّ الَّذي لا يخفى . وأمّا ذكر بعض الأحاديث المنقولة عنهم ( ع ) الَّتي تنطبق على بعض فقرات الخطبتين نأتي بها ذيلا : ( أ ) عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( الصدوق ) ، بإسناده عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللَّه ( ع ) قال : قال أمير المؤمنين في خطبته : أنا الهادي وأنا المهتدي ( المهدي ) ، وأنا أبو اليتامى والمساكين وزوج الأرامل ، وأنا ملجأ كلّ ضعيف ومأمن كلّ خائف ، وأنا قائد المؤمنين إلى الجنّة ، وأنا حبل اللَّه المتين ، وأنا العروة الوثقى وكلمة التقوى ، وأنا عين اللَّه ولسانه الصّادق ويده ، وأنا جنب اللَّه الَّذي يقول : * ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه ِ ) * [ الزمر : 56 ] ، وأنا يد اللَّه المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة ، وأنا باب حطَّة ، من عرفني وعرف حقّي فقد عرف ربّه لأني وصيّ نبيّه في أرضه ، وحجته على خلقه ، لا ينكر هذا إلَّا رادّ على اللَّه ورسوله . كتاب التوحيد باب 22 ص 164 الحديث 2 . ونقله أيضا المفيد رضي اللَّه عنه بإسناده عن أبي بصير في كتابه الاختصاص ص 248 . ( ب ) الصدوق بإسناده عن عبد الرّحمن بن كثير ، عن أبي عبد اللَّه قال : إنّ أمير المؤمنين ( ع ) قال : أنا علم اللَّه ، وأنا قلب اللَّه الواعي ، ولسان اللَّه النّاطق ، وعين اللَّه ، وجنب اللَّه ، وأنا يد اللَّه . التوحيد ص 164 باب 32 ح 1 . ( ج ) المفيد ، بإسناده عن الحسين بن عبد الله ، عن الصّادق ( ع ) قال : خطب أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه فقال فيما يقول : أيّها النّاس سلوني قبل أن تفقدوني ، أيّها النّاس أنا قلب اللَّه الواعي ، ولسانه النّاطق ، وأمينه على سرّه ، وحجّته على خلقه ، وخليفته على عباده ، وعينه النّاظرة في برّيته ، ويده المبسوطة بالرأفة والرّحمة ، ودينه الَّذي لا يصدّقني إلَّا من محض الإيمان محضا ، ولا يكذّبني إلا من محض الكفر محضا ، الاختصاص ص 248 . ( د ) بحار الأنوار ج 18 ص 377 ح 82 عن بصائر الدّرجات . إبراهيم بن هاشم ، عن البرقي ، عن ابن سنان وغيره ، عن عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبد اللَّه ( ع ) : قال رسول اللَّه ( ص ) : لقد أسرى بي ربّي فأوحى إليّ من وراء الحجاب ما أوحى ، وكلَّمني ، وكان ممّا كلَّمني أن قال : يا محمّد ، عليّ الأوّل ، وعليّ الآخر ، والظَّاهر والباطن ، وهو بكلّ شيء عليم ، فقال : يا ربّ أليس ذلك أنت ؟ قال : فقال : يا محمّد أنا اللَّه لا إله إلَّا أنا الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر سبحان اللَّه عمّا يشركون ، إنّي أنا اللَّه لا إله إلَّا أنا الخالق البارئ المصوّر ، لي الأسماء الحسنى ، يسبح لي من في السماوات والأرضين ، وأنا العزيز الحكيم ، يا محمد إنّي أنا اللَّه لا إله إلَّا أنا الأوّل ولا شيء قبلي ، وأنا الآخر فلا شيء بعدي ، وأنا الظاهر فلا شيء فوقي ، وأنا الباطن فلا شيء تحتي ، وأنا اللَّه لا إله إلَّا أنا بكلّ شيء عليم ، يا محمّد ، عليّ الأوّل : أوّل من أخذ ميثاقي من الأئمّة ، يا محمّد ، عليّ الآخر : آخر من قبض روحه من الأئمّة ، وهي الدّابة الَّتي تكلَّمهم ، يا محمّد ، عليّ الظاهر أظهر عليه جميع ما أوحيته إليك ، ليس لك أن تكتم منه شيئا ، يا محمّد ، عليّ الباطن : أبطنته سرّي الَّذي أسررته إليك ، فليس فيما بيني وبينك سرّ أزويه يا محمد عن عليّ ، ما خلقت من حلال أو حرام إلَّا وعليّ عليم به . ( ه ) روى المفيد ( رض ) في كتابه الاختصاص ص 163 كتاب المحنة : أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه كان قاعدا في المسجد وعنده جماعة ، فقالوا له : حدثنا يا أمير المؤمنين ، فقال لهم ، ويحكم إنّ كلامي صعب مستصعب ، لا يعقله إلَّا العالمون ، قالوا : لا بدّ من أن تحدّثنا ، قال : قوموا بنا فدخل الدّار ، فقال : أنا الذي علوت فقهرت ، أنا الَّذي أحيي وأميت ، أنا الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، فغضبوا وقالوا : كفر وقاموا ، فقال عليّ صلوات اللَّه عليه وآله للباب : يا باب استمسك عليهم ، فاستمسك عليهم الباب ، فقال : ألم أقل لكم : إنّ كلامي صعب مستصعب لا يعقله إلَّا العالمون ؟ تعالوا أفسرّ لكم . أما قولي : أنا الَّذي علوت فقهرت ، فأنا الَّذي علوتكم بهذا السيف فقهرتكم حتّى آمنتم باللَّه ورسوله . وأمّا قولي : أنا أحيي وأميت ، فأنا أحيي السنّة وأميت البدعة . وأمّا قولي : أنا الأوّل ، فأنا أوّل من آمن باللَّه وأسلم . وأمّا قولي : أنا الآخر ، فأنا آخر من سجّى على النبيّ ثوبه ودفنه . وأمّا قولي : أنا الظاهر والباطن ، فأنا عندي علم الظاهر والباطن . قالوا فرّجت عنّا فرّج اللَّه عنك . أقول : فتدبّر أيها القارئ العزيز هدانا اللَّه وإيّاك بحقائق علومهم أنه ( ع ) كيف فسرّ قوله بالظاهر حتّى يمنع عن ارتدادهم ويحفظ عن شرّهم وأن ليس لهم تحمّل الحقائق وغربته ( ع ) في أصحابه . ( و ) فرات الكوفي ، في تفسيره ص 67 الحديث 37 ، بإسناده عن عبد الواحد بن علي قال : قال أمير المؤمنين ( ع ) : أنا أؤدي من النبيّين إلى الوصيّين ، ومن الوصيّين إلى النبيّين ، وما بعث اللَّه نبيّا إلَّا وأنا أقضي دينه وأنجز عداته ، ولقد اصطفاني ربّي بالعلم والظفر ، ولقد وفدت إلى ربّي اثني عشر وفادة فعرفني نفسه وأعطاني مفاتيح الغيب . ثم قال : يا قنبر من على الباب ؟ قال : ميثم التمار ! ما تقول أن أحدثك ، فإن أخذته كنت مؤمنا ، وإن تركته كنت كافرا ؟ ( ثمّ ) قال : أنا الفاروق الَّذي أفرق بين الحق والباطل ، أنا أدخل أوليائي الجنّة وأعدائي النار ، أنا الذي قال اللَّه ( تعالى ) : * ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّه ُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّه ِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ) * [ سورة البقرة ، الآية : 210 ] . وللسيّد كاظم الرشتي شرح مبسوط للخطبة الطتنجيّة ، قال بعد خطبة الكتاب : اعلم ، العلماء في هذه الخطبة الشريفة وأمثالها من الخطب ، البيان وخطبة الافتخار وغيرها من الأخبار كخبر معرفتهم بالنورانيّة ، وخبر بيان مقامات المعرفة وغيرها ، تشعّبوا على أربع شعب : الأولى ، طرحوا هذه الأخبار وأسقطوها عن نظر الاعتبار ، وقالوا : إنّها أخبار آحاد لا تفيد علما ولا عملا ، ومن قال : بحجيّة الظنّ المطلق قال : وإن استفيد الظنّ بصحّة مضمون هذه الأخبار ، إلَّا أنّه لا يعوّل عليه في مثل هذه المطالب ، ومن قال : بحجيّة الخبر الواحد قال : إنّ ذلك هو الخبر الصحيح من العدل الإمامي ، وتلك الأخبار أكثرها ضعيفة ، سيّما الخطب ، وأغلبها في « مشارق الأنوار » للشيخ رجب البرسي ، وقد حكم العلماء بغلوّه ، وما هذا شأنه لا حجيّة فيه ، مع أنّ هذه الأخبار والخطب تخالفها العقول ، وفيها رفع الإمكان عن مكانه وإثبات الربوبيّة للمخلوق ، واستلزام التفويض الَّذي أطبق العلماء وفقا للأخبار الصحيحة الصريحة المحكمة على بطلانه ، وتكفير القائل به ، ومخالفة الكتاب الصريح حيث يقول اللَّه سبحانه : * ( هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّه ِ ) * [ سورة فاطر ، الآية : 3 ] . * ( أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ ) * [ سورة فاطر ، الآية : 40 ] . * ( اللَّه ُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَه ُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * [ سورة الروم ، الآية : 40 ] . وقد دلَّت الأخبار وشهد صحيح الاعتبار أنّ الخبر إذا خالف الكتاب المجيد ، يضرب على عرض الحائط ، وقد شاع وذاع شيوع الغلاة القائلين بالألوهيّة لأمير المؤمنين وأولاده الطيّبين الطاهرين كالنصيريّة والخطابيّة والشلمغانيّة وأمثالهم ، وأغلب رواة هذه الأخبار هم ، فثبت أنّ هذه الخطب ليست من أمير المؤمنين ولا الأخبار من أولاده المعصومين ، وإنّما هي من موضوعات الغلاة المفوّضة . الثانية ، توقّفوا في تصديقها وتكذيبها ، حيث رأوا شيوع هذه الأخبار وتكرّرها وتواردها في كتب الفرقة المحقّة ، وورود الأدعية الكثيرة بمضمونها والزيارات الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة ، وورود الأخبار الكثيرة بمعناها عن أخبار الثقات أيضا ، إلَّا أنّ هنا أخبار بظاهرها تنفي هذه المضامين ويؤيّدها ظواهر بعض الآيات ، مع أنّ العقل يقصر عن إدراكها ومعرفتها ، فالتوقّف والسكوت فيها أولى . لما قال ( ع ) : الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات . الثالثة ، تلقّوها بالقبول وشهدوا على حقيّتها لكنّهم حاولوا معرفتها بالعقول ، ولم يستندوا فيها إلى آل الرسول ( ع ) بباطن دعوتهم ولسان أعمالهم ، وإن ادّعوا خلافه بظاهر مقالهم فجروا في بيان هذه الخطب مجرى الصوفيّة الملاحدة القائلين بوحدة الوجود « أقول : والظاهر أن المؤلَّف لم يفهم معنى قول أهل المعرفة والتوحيد بوحدة الوجود أي وحدة وجود الواجب وكثرة مظاهره وآياته وهو سبحانه صمد أحد مطلق لا سبيل إلى تصور وجود الغير في مقابله ، أينما تولَّوا فثمّ وجه اللَّه وهو معكم أينما كنتم وهو في السماء إله وفي الأرض إله ، والقول به عين القول بالتوحيد القرآني توحيد أهل البيت ( ع ) ولعل عقله وقلبه قاصران عن فهم هذا التوحيد والحق هذا عسير جدا بل كاد أن لا يمكن إلَّا لأوحدي من الموحّدين الطاهرين » . قال الملَّا محسن في قرّة العيون : قال بعض العارفين : إذا تجلَّى اللَّه بذاته لأحد يرى كلّ الذوّات والصفات والأفعال متلاشية في أشعّة ذاته وصفاته وأفعاله ، ويجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنّها مدبّرة لها وهي أعضاؤه لا يلمّ بواحد منها شيء إلَّا وهو يراه ملمّا به ويرى ذاته الذات الواحدة وصفته صفتها وفعله فعلها لاستهلاكه بالكلَّيّة في عين التوحيد ، ولمّا انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة وارتفع التمييز بين القدم والحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحقّ إلى أن قال : ولعل هذا هو السّر في صدور بعض الكلمات الغريبة من مولانا أمير المؤمنين في خطبة البيان ، وفي خطبته الموسومة بالطتنجيّة وغيرها من نظائرهما كقوله ( ع ) : أنا آدم الأوّل ، أنا نوح الأوّل إلى آخر ما قال من أمثال ذلك . انتهى كلامه . الرابعة ، عملوا بمقتضى قوله تعالى : * ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) * [ سورة النساء ، الآية : 65 ] . فأولئك المؤمنون ، الممتحنون الَّذين امتحن اللَّه قلوبهم للإيمان ، وشرح صدورهم للإسلام ، وهم المتّبعون لقادة الدّين الأئمّة الهادين الَّذين يتأدّبون بآدابهم وينهجون نهجهم ، بهم العلم على حقيقة الإيمان ، فاستجابت أرواحهم لقادة العلم ، واستلانوا من أحاديثهم ما استوعر على غيرهم ، وآنسوا بما استوحش منه المكذّبون وأباه المسرفون ، فانقطعوا إلى ربّهم وحاولوا قراءة الألواح الآفاقيّة والأنفسيّة الَّتي قد نقش اللَّه سبحانه فيها جميع الأسرار المخزونة في ملكوته وجبروته ولاهوته ، فعرفوها بتعليم اللَّه سبحانه وتعالى بألسنة أوليائه بعد ما جاهدوا في اللَّه حقّ جهاده ، فنظروا في العالم والكتاب والسنّة من غير معاندة ولجاج ، ولا قاعدة مأخوذة من غير أهل الحقّ ( ع ) ليتلوا ما يوافقها ويتركوا ما يخالفها ، أو يؤلوا ( إليها ) ، ولا استئناس بطائفة ليميلوا بقلوبهم ليمنعهم عن إصابة الواقع بتلون مرآة حقائقهم بلون ذلك الميل ، بل نظروا إلى الكتاب والسنّة والآيات الآفاقيّة والأنفسيّة بخالص الفطرة وصافي الطويّة طالبي الحقّ والصواب من اللَّه سبحانه بأهل فصل الخطاب عليهم سلام اللَّه في المبدأ والمآب ، فقابلت مرايا قلوبهم عالم النور الَّذي هو وجه اللَّه سبحانه ، قال اللَّه تعالى : * ( اللَّه ُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * فظهرت في قلوبهم صور الحقائق المنتزعة من كتاب الأبرار في علَّيّين فنطقوا بالحق والصواب وهو قوله عزّ وجلّ : * ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) * [ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] . وهذه كيفيّتها وطريقها ، فعرفوا الشيء الواحد في مقامات عديدة هي خزائن وجوده قال اللَّه تعالى : * ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه ُ ) * [ سورة الحجر ، الآية : 21 ] . فعرفوا في جميع الخزائن وإن قال تعالى : * ( وَعِنْدَه ُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) * [ سورة الأنعام ، الآية : 59 ] . لكنّه قال تعالى : * ( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه ِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) * [ سورة الجنّ ، 24 ، 27 ] . وقالوا : نحن العلماء وشيعتنا المتعلَّمون ، إذ كلَّهم محمّد ، أوّلهم محمّد وآخرهم محمّد ، وأوسطهم محمّد ( ص ) ، ولمّا كان الشيء الواحد له أطوار وأحوال قال تعالى : * ( ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّه ِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ) * [ سورة نوح ، 13 ، 14 ] . طور الإجمال ، وطور التفصيل ، وطور البساطة ، وطور التركيب ، وطور التصوير ، وطور التجريد ، كما قال عزّ وجل : * ( وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ) * [ سورة يونس ، الآية : 19 ] . وعرفوا كلّ هذه الأطوار وما تقتضيه الأوطار في عالم الأنوار بتعليم الأئمّة الأطهار ( ع ) صار لا يشتبه عليهم شيء في مقام الاختلاف والكثرة وعدم الائتلاف ، فيعطون كلّ ذي حقّ حقّه من الأحكام وإن ظهر بألف طور مختلف إذ عرفوا اللطيفة السارية في المجموع الواحدة . فلا يحصل عندهم تعارض ولا تناقض ولا تضادّ لا في الأكوان ولا في الصفات ، ولا في الألفاظ والعبارات ، ولا في أخبار سادة البريّات ، ولا في الآيات من المحكمات والمتشابهات ، فهم مطمئنّو القلب ، باردو الفؤاد ، بالغو المراد ، يعرفون الغريب من القريب ، ويأخذون النصيب من المعلَّى والرقيب ، فلا يحتاجون إلى طرح الأخبار ولا إلى اختلاف الأنظار ، وهم الَّذين قال اللَّه تعالى فيهم : * ( فَهَدَى اللَّه ُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيه ِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِه ِ ) * [ سورة البقرة ، الآية : 213 ] . لأنّ أهل البيت ( ع ) علماء ، حكماء ، عارفون بمواقع الكلام ، ولحن الخطاب ، ولم يتكلَّموا بشيء إلَّا جعلوا فيه من تسديدهم قرينة تنفيه أو تثبته ، وإلَّا لم يكونوا حجّة بالغة . إلى أن قال : وهؤلاء تلقّوا هذه الخطبة وأشباهها من الخطب والأخبار بالقبول وعرفوها وبيّنوها على ما فهموا من كلمات آل الرسول ( ع ) كما نبيّن إن شاء اللَّه في خلال الشرح وقال في ردّ الأقوال الثلاثة : وأمّا الطائفة الأولى الذين طرحوا هذه الخطبة وشبهها من الأخبار ، وأسقطوها عن الاعتبار ونسبوها إلى الغلاة والمفوّضة وغيرهم من الأشرار فأخطأوا جدّا واستعجلوا كثيرا ، أمّا دعواهم بأنّها من أخبار الآحاد فليس بصحيح لأنّها فوق الاستفاضة بل لا يبعد تواترها معنى لكثرة تكرّرها ، وورودها في الكتب في مواضع عديدة والأدعية المأثورة ، سيّما في دعاء رجب المرويّ عن القائم ( ع ) على ما رواه الشيخ في المصباح ، والزيارات سيّما الزيارة الرجبيّة ، والزيارة الخارجة عن الناحية المقدّسة للحجّة ( ع ) ، سلام على آل يس ، وزيارات أمير المؤمنين ، وشيوع أنّهم يد اللَّه وعين اللَّه ولسان اللَّه ، وأذن اللَّه ، والزيارة الجامعة ، وأحاديث خلق أنوارهم قبل الخلق وأمثالها من الأمور الَّتي لا يشكون ولا يختلفون في صحّتها ، إلى أن قال : وطرح الأخبار الكثيرة لعدم المعرفة والبصيرة ليس من شأن المؤمنين الممتحنين ، ولو سلَّمنا أنّها من أخبار الآحاد نقول : إنّ الخبر الواحد إذا طابق العقل الصحيح الصريح وجب القول به والعمل عليه ، وكذلك هذه الأخبار فإنّ الأدلَّة العقليّة القطعيّة دالَّة على مضامينها ومدلولاتها ، بل لا يستقيم