الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
515
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
كما قال تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 16 : 40 خاطب المهيّة المشيء وجودها بقوله ب كن 16 : 40 قوله تعالى : كن 16 : 40 فعل منه . كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : " وإنما كلامه سبحانه فعله " . والمخاطب هي المهية الموجودة بفعل ( كن ) ، ثم إنها عند التوجه الإيجادي منه تعالى المعبّر عنه ب ( كن ) تختصّ من الحق ، وهذا الحق هو السرّ المختص بها ، وهو المعبر عنه بالوجود المنبسط عند الحكماء وهو الإيجاد الحقيقي منه تعالى لها ، والمعبر عنه بالوجود الحقيقي لا الإضافي ، وهذا الوجود الحقيقي المنبسط هو السرّ الإلهي في كل موجود ، وحيث إنه من الحق أي من المراتب النازلة لوجوده تعالى ، حيث إنه مقول بالتشكيك بالشدة والضعف على قول كثير من الحكماء ، أو إنه من ظهوره المعبر عنه بالفارسية ب ( نمود ) لا ( بود ) على قول كثير من العرفاء ، وتحقيقه موكول في محله ، وإنما هو سرّ لأنه منه تعالى . ولا ريب في أنّ الوجود الحقيقي مع أنه من أبده البديهيّات لا يدرك بكنهه وكذا ظهوره تعالى ، ولذا قيل إنه سرّ أي مخفي لفرط ظهوره عن الخلق ، فلا يعرفه إلا هو تعالى . ولذا قيل : لا يعرف الحق إلا الحق ، لأنّ ذلك السرّ هو العارف به فهو عارف بنفسه لا غيره . ولعل إليه يشير قوله عليه السّلام : " عرفت ربّي بربّي ، " أي عرفت السّر أي الوجود الحقيقي الذي أنا أي ماهيّتي به موجودة به ، أي بذلك السر نفسه إذ ليس شيء غيره يمكنه المعرفة به لأن غيره هو المهيّة ، وهي لا موجودة ولا معدومة بنفسها ، بل قيل إنها ما شمّت رائحة الوجود ، فكيف يمكنها المعرفة بربها ؟ ولعل إليه أيضا يشير ما في توحيد الصدوق في ضمن حديث : " ولا يدرك مخلوق شيئا إلا با لله ، " فحينئذ هو تعالى يعلم كلّ سرّ ولا وجود لغيره ، ولا يعلم السر أي نفسه إلا هو ، فلا هو إلا هو ، وقد يعبّر عن هذا السّر بسرّ الحقيقة ، فإنّ كل