الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

359

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

قوله عليه السّلام : " وصدق مقاعدكم ، " قد علمت أن الصدق هو جدّ الشيء وواقعه ، وتقرره في صقعه أي تطابقه لما في الواقع . وبعبارة أخرى : الصدق اسم لحقيقة الشيء حصولا ووجودا ، فكل شيء وجد بالفعل بكل ما أمكن له حتى يكون ذلك الشيء تاما كاملا فهو الصدق ، وهذا المعنى من الصدق إذا تحقق في أي أحد يلزمه أن يكون ذاته وصفاته وأفعاله وجميع شؤونه وقيامه في الدين على ما هو حقه وواقعه ، وهذه الحقيقة ( أعني الصدق ) نور متشعشع في عالمه كالشمس يستضيء بها كل شيء يغشاها من غير نقصان على معناها . كما عن الصادق عليه السّلام وتحصيل هذا في أحد في غاية الصعوبة ، ولذا قال عليه السّلام " والصادق حقّا هو الذي يصدق كل كاذب بحقيقة صدق ما لديه ، وهو المعنى الذي لا يسع معه سواه أو ضده ، " وهذا معنى ما قلنا من أن الصدق جدّ الشيء . . . إلى أن قال : " وأدنى حدّ الصدق أن لا يخالف اللسان القلب ، ولا القلب اللسان ، ومثل الصادق الموصوف بما ذكرنا كمثل النازع لروحه إن لم ينزع فما ذا يصنع ؟ " ، وهذا إشارة إلى صعوبة الثبات على مقام الصدق في كل أمر كما لا يخفى ، وصفة الصدق في أحد لا تتحقق إلا بعد كمال المعرفة والمحبة الموجبة لإحراق غير محبوبة ، إلى أن لا يصدر منه إلا ما هو محبوب محبوبه وما هو مطلوبه . وعلى هذا فقوله عليه السّلام : " وصدق مقاعدكم ، " يراد منه ما توضيحه : أن للأئمة عليهم السّلام مراتب شامخة في الوجود أعني بها المقامات الإلهية المشار إليها في دعاء رجب : ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مقام . وبعبارة أخرى : أنهم جالسون مجلس الأسماء الإلهية في المقامات الربوبية ، وتلك المقامات صعبة جدا صعب العمل بها ، والأئمة عليهم السّلام صادقون في تلك المقاعد والمقامات قائمون بشئونها ، وثابتون عليها وعلى ما تقتضيه تلك المقامات من العمل والاستقامة عليها ، فهم في مقعد الصدق في تلك المقامات ، وقد أثبتوا بحسن