الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

347

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

لا ضدّ له ، وبمقارقته بين الأشياء عرف أن لا قرين له " . وحاصل الكلام : أن هذا التسبيح والسجود تسبيح وسجود فطري ، وسجود ذاتي عن تجل تجلَّى لهم ، فأحبّوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف ، بل اقتضاء ذاتي ، وهذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه ، وإليه يشير قوله عليه السّلام في نهج البلاغة : " الحمد لله المتجلَّي لخلقه بخلقه " . ثم إنه قد يستفاد من قوله تعالى : ألم تر أن الله يسبّح له 24 : 41 ( 1 ) ، ألم تر أن الله يسجد له 22 : 18 ، إلى غيره من نحو هذه الآيات أنه تعالى قد أشهد لنبيه محمد صلَّى الله عليه وآله سجود هذه الأمور وتسبيحها ، بل كل من أشهده الله ذلك ورآه دخل تحت هذا الخطاب . ونقل عن بعض العارفين ما هذا لفظه : أن عند أهل الكشف والعرفان لكل شيء من الجماد والنبات روح وحياة ونطق ، لكن لا يحسّ منها أحد إلا أهل الكشف ، فإنهم يسمعون النطق اللساني لا الحالي بالتسبيح والتحميد من كل شيء ، وأما من يصل إلى مقام الكشف فإنه ( الظاهر ، يسمع ) بلسان الحال والاستعداد لا بلسان القال ، وإني اعتقدت قبل هذا هكذا ، لكن الآن عاينت وشاهدت أن كل الموجودات تسبح بلسان النطق تسمعه إذ إننا منها ، وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما يدركه كل إنسان . أقول : كما قال الشاعر عن خطابهم : ما سميعيم وبصيريم وخوشيم با شما نا محرمان ما خامشيم نطق آب نطق خاك ونطق گل هست محسوس حواس أهل دل أقول : ومما يدل على مخاطبة الأشياء للعارفين ما ورد عن الزهراء عليها السّلام أنها قالت لأبيها صلَّى الله عليه وآله : " إن عليا تكلم مع الأرض ليلة زفافها ، فقال صلَّى الله عليه وآله لها : إنّ الله تعالى سخّر الأرض لعلي عليه السّلام لتقول له الحوادث والأخبار " .

--> ( 1 ) النور : 41 . .