الزركشي

15

البرهان

ومنها مجئ المشرق والمغرب في القرآن تارة بالجمع ، وأخرى بالتثنية ، وأخرى بالإفراد ، لاختصاص كل مقام بما يقتضيه . فالأول كقوله : * ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) * . والثاني كقوله : * ( رب المشرقين ورب المغربين ) * . والثالث قوله : * ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ) * فحيث جمع كان المراد نفى المشرق والمغرب ، وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وارتفاعها ; فإنها تبتدئ صاعدة ، حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها ; فهذا مشرق صعودها وارتفاعها ; وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء ، فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ، ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا ، ومقابلهما مغربا . وقيل : هو إخبار عن الحركات الفلكية ، متحركة بحركات متداركة ، لا تنضبط لخطة ولا تدخل تحت قياس ; لأن معنى الحركة انتقال الشئ من مكان إلى آخر ، وهذه صفة الأفلاك ، قال تعالى : * ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر . . . ) * ، الآية ، فهذا وجه اختلاف هذه الألفاظ بالإفراد والتثنية والجمع ، وقد أجرى الله العادة إن القمر يطلع في كل ليلة من مطلع غير الذي طلع فيه بالأمس ، وكذلك الغروب ، فهي من أول فصل الصيف في تلك المطالع والمغارب ; إلى إن تنتهي إلى مطلع الاعتدال ، ومغربه عند أول فصل الخريف ، ثم تأخذ جنوبا في كل يوم في مطلع ومغرب ، إلى أن تنتهي إلى آخر مثلها الذي يقدر الله لها عند أول فصل الشتاء ، ثم ترجع كذلك إلى أن تنتهي إلى مطلع الاعتدال الربيعي ومغربه ، وهكذا أبدا . فحيث أفرد الله له لفظ المشرق والمغرب ، أراد به الجهة نفسها التي تشتمل الواحدة على تلك المطالع جميعها ، والأخرى على تلك المغارب من غير نظر إلى تعددها ; وحيث جئ بلفظ الجمع المراد به