الزركشي
76
البرهان
القرآن وإن لم يعجز العمل بما فيه من المحكم . ويجوز أن يمتحنهم بالإيمان بها حيث ادعوا وجوب رعاية الأصلح . ومنها : إقامة الحجة بها عليهم ، وذلك إنما نزل بلسانهم ولغتهم ، ثم عجزوا عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم وإفهامهم ، فيدل على أن الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها ، وهو الله سبحانه ! الخامس : أثار بعضهم سؤالا ، وهو : هل للمحكم مزية على المتشابه بما يدل عليه ، أو هما سواء ؟ والثاني خلاف الاجماع ، والأول ينقض أصلكم أن جميع كلامه سبحانه سواء ، وأنه نزل بالحكمة ! وأجاب أبو عبد الله محمد بن أحمد البكراباذي بأن المحكم كالمتشابه من وجه ، ويخالفه من وجه ، فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع ، وأنه لا يختار ( 1 ) القبيح . ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد ، فمن سمعه أمكنه أن يستدل به ( 2 ) في الحال ، والمتشابه يحتاج إلى ذكر مبتدأ ونظر مجدد عند سماعه ليحمله على الوجه المطابق ، ولأن المحكم أصل ، والعلم بالأصل أسبق ، ولأن المحكم يعلم مفصلا ، والمتشابه لا يعلم إلا مجملا . فإن قيل : إذا كان المحكم بالوضع كالمتشابه ، وقد قلتم إن من حق هذه اللغة أن يصح فيها الاحتمال ويسوغ التأويل ، فبماذا يميز المحكم في أنه لا بد له من مزية ، سيما والناس قد اختلفوا فيهما كاختلافهم في المذاهب ، فالمحكم عند السني متشابه عند القدري ؟ فالجواب أن الوجه الذي أوردته ( 3 ) يلجئ إلى الرجوع إلى العقول فيما يتعلق