الزركشي

42

البرهان

ولذلك قال عقب تشريع الدية : ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) ( 1 ) . وكذلك ما أمرنا الله به أمرا إجماليا ثم نسخ ، كنسخه التوجه إلى بيت الله المقدس بالكعبة ، فإن ذلك كان واجبا علينا من قضية أمره باتباع الأنبياء قبله ، وكنسخ صوم يوم عاشوراء برمضان . الثالث : ما أمر به لسبب ثم يزول السبب ، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون ( 2 ) لقاء الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ، ثم نسخه إيجاب ذلك . وهذا ليس بنسخ في الحقيقة ، وإنما هو نسء ، كما قال تعالى : ( أو ننسئها ) ( 3 ) فالمنسأ هو الأمر بالقتال ، إلى أن يقوى المسلمون ، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى . وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف ، وليست كذلك بل هي من المنسأ ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر ، وليس بنسخ ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا . وإلى هذا أشار الشافعي في " الرسالة " إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الرأفة ، ثم ورد الإذن فيه فلم يجعله منسوخا ، بل من باب زوال الحكم لزوال علته ، حتى لو فاجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهى . ومن هذا قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم . . . ) ( 4 ) الآية ، كان ذلك في ابتداء الأمر ، فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر