الزركشي

47

البرهان

أحدها التنظير ; فإن إلحاق النظير بالنظير من دأب العقلاء ; ومن أمثلته قوله تعالى : * ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) * عقب قوله : * ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) * فإن الله سبحانه أمر رسوله أن يمضى لأمره في الغنائم على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون ; وذلك أنهم اختلفوا في القتال يوم بدر في الأنفال ، وحاجوا النبي صلى الله عليه وسلم وجادلوه ; فكره كثيرا منهم ما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفل ، فأنزل الله هذه الآية ، وأنفذ أمره بها ، وأمرهم أن يتقوا الله ويطيعوه ، ولا يعترضوا عليه فيما يفعله من شئ ما ، بعد أن كانوا مؤمنين . ووصف المؤمنين ; ثم قال : * ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) * ، يريد أن كراهيتهم لما فعلته من الغنائم ككراهتهم كما للخروج معك . وقيل : معناه أولئك هم المؤمنون حقا ; كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ; كقوله تعالى : * ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) * . وقيل : الكاف صفة لفعل مضمر ; وتأويله : افعل في الأنفال كما فعلت في الخروج إلى بدر ، وإن كره القوم ذلك ; ونظيره قوله تعالى : * ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) * معناه : كما أنعمنا عليكم بإرسال رسول من أنفسكم فكذلك أتم نعمتي عليكم ; فشبه كراهتهم ما جرى من أمر الأنفال وقسمتها بالكراهة في مخرجه من بيته . وكل ما لا يتم الكلام إلا به ; من صفة وصلة فهو من نفس الكلام . وأما قوله تعالى : * ( كما أنزلنا على المقتسمين ) * بعد قوله : * ( وقل إني أنا