الزركشي
454
البرهان
الذكر هذه المشاهدات العشر ، فعندها لا تمل المناجاة ، لوجود المصافاة ، وعلم كيف تجلى له تلك الصفات الإلهية في طي هذه الأدوات ، ولولا استتار كنه جمال كلامه بكسوة الحروف ، لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثرى ، ولا تمكن منه لفهم عظيم الكلام إلا على حد فهم الخلق ، فكل أحد يفهم عنه بفهمه الذي قسم له ، حكمة منه . قال بعض العلماء : في القرآن ميادين وبساتين ، ومقاصير وعرائس ، وديابيج ورياض ، فالميمات ميادين القرآن ، والراءات بساتين القرآن ، والحاءات غير مقاصير القرآن ، والمسبحات عرائس القرآن ، والحواميم ديابيج القرآن ، والمفصل رياضه ، وما سوى ذلك . فإذا دخل المريد في الميادين ، وقطف من البساتين ، ودخل المقاصير ، وشهد العرائس ، ولبس الديابيج ، أحمد وتنزه في الرياض ، وسكن غرفات المقامات اقتطعه عما سواه ، وأوقف ما يراه ، وشغله المشاهد له عما عداه ; ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اعرفوا القرآن والتمسوا غرائبه ، وغرائبه فروضه وحدوده ; فإن القرآن على خمسة : حلال ، وحرام ، ومحكم ، وأمثال ، ومتشابه ، فخذوا الحلال ، ودعوا الحرام ، واعملوا بالمحكم ، وآمنوا بالتمشابه ، واعتبروا بالأمثال " . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن . قال ابن سبع في كتاب " شفاء الصدور " هذا الذي قال أبو الدرداء وابن مسعود لا يحصل بمجرد تفسيره الظاهر ; وقد قال بعض العلماء : لكل آية ستون ألف ، فهم وما بقي من فهمه أكثر . وقال آخرون : القرآن يحتوى على سبعة وسبعين ألف علم ، إذ لكل كلمة علم ، ثم يتضاعف ذلك أربعا ، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن ، وحد ومطلع . وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته ، وفى القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله .