الزركشي
449
البرهان
النوع التاسع والعشرون في آداب تلاوته وكيفيتها اعلم أنه ينبغي لمح موقع النعم على من علمه الله تعالى القرآن العظيم أو بعضه ، بكونه أعظم المعجزات ، لبقائه ببقاء دعوة الاسلام ، ولكونه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، فالحجة بالقرآن العظيم قائمة على كل عصر وزمان ، لأنه كلام رب العالمين ، وأشرف كتبه جل وعلا ، فلير من عنده القرآن أن الله أنعم عليه نعمة عظيمة ، وليستحضر من أفعاله أن يكون القرآن حجة له لا عليه ; لأن القرآن مشتمل على طلب أمور ، والكف عن أمور ، وذكر أخبار قوم قامت عليهم الحجة فصاروا عبرة للمعتبرين حين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم ، وأهلكوا لما عصوا ، وليحذر من علم حالهم أن يعصى ، فيصير مآله مآلهم ; فإذا استحضر صاحب القرآن علو شأنه بكونه طريقا لكتاب الله تعالى ، وصدره مصحفا له انكفتت نفسه عند التوفيق عن الرذائل ، وأقبلت على العمل الصالح الهائل . وأكبر معين على ذلك حسن ترتيله وتلاوته ، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : * ( ورتل القرآن ترتيلا ) * وقال : * ( وقرانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) * ، فحق على كل امرئ مسلم قرأ القرآن أن يرتله ، وكمال ترتيله تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه ، والإفصاح لجميعه بالتدبر حتى يصل بكل ما بعده ،