الزركشي

440

البرهان

أن يقال بعض كلامه أبلغ من بعض ؟ جوزه بعضهم لقصور نظرهم . وينبغي أن يعلم أن معنى قول القائل : هذا الكلام أبلغ من هذا الكلام أن هذا في موضعه له حسن ولطف ، وذاك في موضعه له حسن ولطف ، وهذا الحسن في موضعه أكمل من ذاك في موضعه . فإن من قال : إن * ( قل هو الله أحد ) * أبلغ من * ( تبت يدا أبى لهب ) * يجعل المقابلة بين ذكر الله وذكر أبى لهب ، وبين التوحيد والدعاء على الكافرين . وذلك غير صحيح ، بل ينبغي أن يقال : * ( تبت يدا أبى لهب ) * دعاء عليه بالخسران ، فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه ! وكذلك في * ( قل هو الله أحد ) * لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها ، فالعالم إذا نظر إلى * ( تبت يدا أبى لهب وتب ) * في باب الدعاء والخسران ، ونظر إلى * ( قل هو الله أحد ) * في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول : أحدهما أبلغ من الآخر ، وهذا القيد يغفل عنه بعض من لا يكون عنده علم البيان . قلت : ولعل الخلاف في هذه المسألة يلفت عن الخلاف المشهور إن كلام الله شئ واحد أولا ; عند الأشعري أنه لا يتنوع في ذاته ، إنما هو بحسب متعلقاته . فإن قيل : فقد قال تعالى : * ( فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) * ، فجعله شيئين ، وأنتم تقولون بعدمه ، وأنه صفة واحدة ؟ قلنا : من حيث أنه كلام الله لا مزية لشئ منه على شئ . ثم قولنا : " شئ منه " يوهم التبعيض ، وليس لكلام الله الذي هو صفته بعض ، ولكن بالتأويل والتفسير وفهم السامعين اشتمل على جميع أنواع المخاطبات ، ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شئ منه .