الزركشي
408
البرهان
من نفسه ، ثم يترقى في أطوار التكوين ، * ( فإذا هو خصيم مبين * ) ، فهو حين كان نطفة كان ناقص الكون ; كذلك كل مرتبة ينتهى إليها كونه هي ناقصة الكون بالنسبة لما بعدها ، فالوجود الدنيوي كله ناقص الكون عن كون الآخرة ، كما قال الله تعالى : * ( وإن الدار الآخرة لهى الحيوان ) * . وكذلك : * ( وإن تك حسنة يضاعفها ) * ، حذفت النون تنبيها على أنها وإن كانت صغيرة المقدار ، حقيرة في الاعتبار ، فإن إليه ترتيبها وتضاعيفها . ومثله : * ( إن تك مثقال حبة من خردل ) * . وكذلك : * ( أولم تك تأتيكم رسلكم ) * جاءتهم الرسل من أقرب شئ في البيان ، الذي أقل من مبدأ فيه وهو الحس ، إلى العقل ، إلى الذكر . ورقوهم الله من أخفض رتبة - وهي الجهل - إلى أرفع درجة في العلم - وهي اليقين - وهذا بخلاف قوله تعالى : * ( ألم تكن آياتي تتلى عليكم ) * ; فإن كون تلاوة الآيات قد أكمل كونه وتم . وكذلك ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها هذا قد تم كونه وكذلك : * ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) * ، هذا قد تم كونهم غير منفكين إلى تلك الغاية المجعولة لهم ، وهي مجئ البينة . وكذلك : * ( فلم يك ينفعهم إيمانهم ) * ، انتفى عن إيمانهم مبدأ الانتفاع وأقله ، فانتفى أصله .