الزركشي
295
البرهان
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : * ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ) * قال : فارغا من لحزن ، لعلمها أنه لم يغرق ; ومنه " دم فراغ " ، أي لا قود فيه ولا دية . وقال بعض الأدباء : أخطأ أبو عبيدة في المعنى ; لو كان قلبها فارغا من الحزن عليه لما قال : * ( لولا أن ربطنا على قلبها ) * لأنها كادت تبدى به . وهذا الباب عظيم الخطر ; ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن ، وتركوا القول فيه حذرا أن يزلوا فيذهبوا عن المراد ; وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين وكان الأصمعي وهو إمام اللغة لا يفسر شيئا من غريب القرآن ، وحكى عنه أنه سئل عن قوله تعالى : * ( شغفها حبا ) * فسكت وقال : هذا في القرآن ، ثم ذكر قولا لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها : أتبيعونها وهي لكم شغاف ! ولم يزد على هذا . ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم إعراب القرآن وطلب معاني العربية . واعلم أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شئ من كلام الله ، ولا يكفى في حقه تتعلم اليسير منها ; فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر ; وهذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من أفصح قريش ; سئل أبو بكر عن " الأب " فقال أبو بكر : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إذا قلت في كلام الله ما لا أعلم ! وقرأ عمر سورة " عبس " ، فلما بلغ " الأب " قال : الفاكهة قد عرفناها ، فما الأب ؟ ثم قال : لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف . وروى عنه أيضا أنه قال : * ( آمنا به كل من عند ربنا ) * : وفى رواية قال : فما الأب ؟ ثم قال : ما كلفنا ، أو ما أمرنا بهذا . وما ذاك بجهل منهما لمعنى " الأب " ; وإنما يحتمل والله أعلم أن " الأب " من الألفاظ المشتركة في لغتهما أو في لغات ، فخشيا إن فسراه بمعنى من معانيه أن يكون المراد غيره ; ولهذا اختلف