الزركشي

238

البرهان

صلى الله عليه وسلم ، ثم جمع بحضرة الصديق ; والجمع الثالث وهو ترتيب السور كان في خلافة عثمان . وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب " فهم السنن " : كتابة القرآن ليست محدثة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب ; وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان ، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيها القرآن منتشر ، فجمعها جامع ، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شئ . فإن قيل : كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال ؟ قيل : لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف ، وقد شاهدوا تلاوته من النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة فكان تزويد ما ليس منه مأمونا وإنما كان الخوف من ذهاب شئ من صحيحه . فإن قيل : كيف لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ؟ قيل : لأن الله تعالى كان قد أمنه من النسيان بقوله : * ( سنقرئك فلا تنسى . إلا ما شاء الله ) * أن يرفع حكمه بالنسخ ، فحين وقع الخوف من نسيان الخلق حدث ما لم يكن ، فأحدث بضبطه ما لم يحتج إليه قبل ذلك . وفى قول زيد بن ثابت : " فجمعته من الرقاع والأكتاف وصدور الرجال " ما أوهم بعض الناس أن أحدا لم يجمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; وأن من قال : إنه جمع القرآن أبي بن كعب وزيد ليس بمحفوظ . وليس الأمر على ما أوهم ; وإنما طلب القرآن متفرقا ليعارض بالمجتمع عند من بقي ممن جمع القرآن ليشترك الجميع في علم ما جمع