الزركشي
236
البرهان
مع تنزيل ، ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه ، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد . انتهى . وقد روى البخاري في صحيحه عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراء وقال [ حذيفة ] لعثمان : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا [ في الكتاب ] اختلاف اليهود والنصارى . فأرسل عثمان إلى حفصة : أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ; فأرسلت بها إليه ، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ; فإنما نزل بلسانهم . ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل في كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق . وفى هذه إثبات ظاهر أن الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير زيادة ولا نقص . والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث أنه كان مفرقا في العسب واللخاف وصدور الرجال ، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته ، فجمعوه وكتبوه كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ، من غير أن قدموا شيئا أو أخروا . وهذا الترتيب كان منه صلى الله عليه وسلم بتوقيف لهم على ذلك ; وأن هذه الآية عقب تلك الآية ; فثبت أن سعى الصحابة في جمعه في موضع واحد ، لا في ترتيب ; فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذي هو في مصاحفنا الآن ، أنزله الله جملة واحدة إلى سماء الدنيا ،