الزركشي

231

البرهان

فإن قلت : ما السر في نزوله إلى الأرض منجما ؟ وهلا نزل جملة كسائر الكتب ؟ قلت : هذا سؤال قد تولى الله سبحانه جوابه ; فقال تعالى : * ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) * ، يعنون : كما أنزل على من قبله من الرسل . فأجابهم الله بقوله : * ( كذلك ) * ، أي أنزلناه كذلك مفرقا * ( لنثبت به فؤادك ) * ، أي لنقوى به قلبك ; فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب ، وأشد عناية بالمرسل إليه ; ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه ، وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز ، فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ; ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السلام . وقيل : معنى * ( لنثبت به فؤادك ) * لنحفظه ، فإنه عليه السلام كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ; ففرق عليه لييسر علي عليه حفظه ; بخلاف غيره من الأنبياء ; فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل جملة . فإن قلت : كان في القدرة إذا نزل جملة أن يحفظه النبي صلى الله عليه وسلم دفعة . قلت : ليس كل ممكن لازم الوقوع ; وأيضا في القرآن أجوبة عن أسئلة ; فهو سبب من أسباب تفرق النزول ; ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا . وقال ابن فورك : قيل أنزلت التوراة جملة ، لأنها نزلت على نبي يقرأ ويكتب - وهو موسى - وأنزل القرآن مفرقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبي أمي . وقيل مما لم ينزل لأجله جملة واحدة أن منه الناسخ والمنسوخ ، ومنه ما هو جواب لمن يسأل عن أمور ، ومنه ما هو إنكار لما كان . انتهى .