الزركشي

97

البرهان

فإن قيل : ما معنى * ( مدبرين ) * وقد أغنى عنها * ( ولوا ) * ؟ قلت : لا يغنى عنها * ( ولوا ) * ; فإن التولي قد يكون بجانب دون جانب ; بدليل قوله : * ( أعرض ونأى بجانبه ) * ; وإن كان ذكر الجانب هنا مجازا . ولا شك أنه سبحانه لما أخبر عنهم أنهم صم يسمعون أراد تتميم المعنى بذكر توليهم في حال الخطاب ، لينفى عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة ; فإن الأصم يفهم بالإشارة ، ما يفهم السميع بالعبارة . ثم إن التولي قد يكون بجانب ، مع لحاظه بالجانب الآخر ; فيحصل له إدراك بعض الإشارة ; فجعل الفاصلة * ( مدبرين ) * ليعلم أن التولي كان بجميع الجوانب ; بحيث صار ما كان مستقبلا مستدبرا ، فاحتجب المخاطب عن المخاطب ، أو صار من ورائه ، فخفيت عن عينه الإشارة ، كما صم أذناه عن العبارة ; فحصلت المبالغة من عدم الإسماع بالكلية . وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفي الإسماع البتة ; فهو من إيغال الاحتياط ; الذي أدمجت فيه المبالغة في نفى الاستماع . وقد يأتي الاحتياط في غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة في ضروب من الكلام شتى ، يحملها معنى واحد ، كقوله تعالى : * ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله . . ) * الآية . وقوله : * ( فأتوا بسورة من مثله ) * . وقوله : * ( فأتوا بعشر سور مثله ) * ، كما يقول الرجل لمن يجحد : ما يستحق على درهما ولا دانقا ولا حبة ، ولا كثيرا ولا قليلا . ولو قال : " ما يستحق على شيئا " لأغنى في الظاهر ; لكن التفصيل أدل على الاحتياط ، وعلى شدة الاستبعاد في الانكار . ومنه قوله تعالى : * ( اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ) * فإن المعنى تم