الزركشي

85

البرهان

وفيه جواب عن سؤال مقدر ; وهو أنه : لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع الفصول وحركات الشمس والقمر ؟ ولما كان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا السؤال ; لا جرم كان مجال التفكر والنظر والتأمل باقيا . إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال من وجهين : أحدهما أن تغيرات العالم الأسفل مربوطة بأحوال حركات الأفلاك ، فتلك الحركات حيث حصلت ; فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل ، وإن كان من الخالق الحكيم فذلك الإقرار بوجود الإله تعالى ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : * ( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) * ، فجعل مقطع هذه الآية العقل ; والتقدير كأنه قيل : إن كنت عاقلا فاعلم أن التسلسل باطل ، فوجب انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرك ، وهو الإله القادر المختار . والثاني أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة . ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية الحمرة ، والآخر في غاية السواد ، فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار ، فعلمنا أن المؤثر قادر مختار ، وهذا هو المراد من قوله : * ( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) * ، كأنه قيل : قد ذكرنا ما يرسخ في عقلك أن الموجب بالذات والطبع لا يختلف تأثيره ، فإذا نظرت إلى حصول هذا الاختلاف علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع ، بل الفاعل المختار ، فلهذا جعل مقطع الآية التذكر .